
الداخلة تيفي
تعيش مدينة الداخلة على وقع مجموعة من الظواهر المقلقة التي باتت تثير تساؤلات متزايدة لدى الساكنة، في مقدمتها ما يتم تداوله بشأن ارتفاع حالات الجريمة وحوادث السير بمختلف أزقة وأحياء المدينة، إلى جانب حالات الانتحار التي تفرض بدورها وقفة جادة ومسؤولة للبحث في أسبابها وسبل الوقاية منها. وهي قضايا لا يمكن التعامل معها باعتبارها أحداثا معزولة، بل تستدعي فتح نقاش عمومي مسؤول حول التحولات الاجتماعية التي تعرفها المدينة ومدى نجاعة التدابير المتخذة لحماية المواطنين وضمان سلامتهم.
إن تنامي الشعور بالقلق لدى الساكنة يفرض طرح أسئلة جوهرية حول الأسباب التي قد تقف وراء هذه الظواهر، ومدى ارتباطها بعوامل اجتماعية واقتصادية ونفسية، فضلا عن ضرورة تقييم الجهود المبذولة في مجال الوقاية والتدخل. فالجريمة، مهما اختلفت أشكالها، لا يمكن مواجهتها بالمعالجة الأمنية وحدها، رغم أهميتها وضرورتها، وإنما تتطلب كذلك العمل على معالجة الأسباب التي قد تسهم في انتشار بعض السلوكات الإجرامية، من خلال تعزيز التأطير الاجتماعي، ومواكبة الشباب، ومحاربة الهشاشة، وتكثيف الجهود الرامية إلى الوقاية من الإدمان والانحراف، مع ضمان التطبيق الصارم للقانون في حق كل من يثبت تورطه في أفعال إجرامية.
وفي المقابل، أصبحت حوادث السير داخل الأحياء والأزقة تطرح بدورها تحديا حقيقيا أمام مختلف المتدخلين، خصوصا عندما يتعلق الأمر بحركة الدراجات النارية والسيارات وسط الأحياء السكنية التي تعرف مرور الأطفال والراجلين بشكل يومي. فالسرعة المفرطة والقيادة المتهورة وعدم احترام قانون السير، إلى جانب احتمال وجود اختلالات في التشوير الطرقي أو الإنارة أو تهيئة بعض المحاور، كلها عوامل تستوجب الدراسة والتحقق الميداني. وهو ما يفرض تحديد النقاط السوداء التي تتكرر فيها الحوادث، وتعزيز المراقبة الطرقية، واتخاذ تدابير عملية تضمن سلامة مستعملي الطريق، لأن حماية الأرواح لا ينبغي أن تظل مرتبطة بالتدخل بعد وقوع الحوادث، بل يجب أن تبدأ بإجراءات استباقية تمنع وقوعها.
أما حالات الانتحار التي يتم تداولها، فإنها تضع المجتمع أمام مسؤولية إنسانية وأخلاقية كبيرة، بالنظر إلى ما قد تخفيه هذه الحالات من معاناة نفسية أو اجتماعية معقدة. ولا يمكن اختزال هذه الظاهرة في سبب واحد أو إطلاق أحكام بشأن دوافعها دون معطيات موثوقة، غير أن خطورتها تفرض تعزيز خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، وتسهيل الوصول إلى المختصين، ونشر ثقافة طلب المساعدة دون خوف من الوصم أو الأحكام المسبقة. كما أن توفير أرقام رسمية حول عدد الحالات واتجاه تطورها يظل أمرا ضروريا لفهم حجم الظاهرة ووضع برامج وقائية تستجيب لحاجيات الساكنة.
إن المسؤولية في مواجهة هذه التحديات لا تقع على مؤسسة واحدة، بل تتطلب تنسيقا فعليا بين السلطات المحلية والأمن الوطني والوقاية المدنية والمصالح الصحية والجماعة الترابية والمؤسسات التعليمية والهيئات المدنية، كل حسب اختصاصه. كما أن من الضروري الانتقال من ردود الفعل الظرفية إلى مقاربة تقوم على التشخيص الدقيق وجمع المعطيات وتقييم النتائج، مع الاستماع إلى شكايات المواطنين بشأن المناطق التي تشهد حوادث متكررة أو مظاهر تمس الإحساس بالأمن والسلامة.
وفي هذا السياق، يحق لساكنة الداخلة أن تتساءل عن الإجراءات التي يمكن اتخاذها للحد من هذه الظواهر، وعن مدى توفر معطيات رسمية تسمح بتحديد حجمها الحقيقي، وعن البرامج الوقائية التي يجري تنفيذها لحماية الشباب والأسر ومستعملي الطريق. وهي أسئلة مشروعة لا تستهدف جهة بعينها، ولا تعني بالضرورة وجود تقصير مثبت، وإنما تعبر عن حاجة المواطنين إلى الاطمئنان والحصول على أجوبة واضحة وإجراءات ملموسة.
إن الداخلة، بما تعرفه من تحولات عمرانية واجتماعية، تحتاج اليوم إلى مقاربة استباقية تجعل أمن المواطن وسلامته وصحته النفسية في صلب الاهتمامات المحلية. فالتنمية لا تقاس فقط بالمشاريع والبنيات التحتية، بل تقاس أيضا بمدى شعور المواطن بالأمان داخل حيه، وبقدرته على التنقل دون خوف، وبوجود مؤسسات تتفاعل مع انشغالاته وتعمل على معالجة أسباب المشكلات قبل تفاقمها.
إن ما يحدث، وما يتم تداوله بشأن هذه الظواهر، يستحق وقفة جادة بعيدا عن التهويل أو التقليل من خطورتها، لأن أرواح المواطنين وسلامتهم ليست مجالا للتجاهل أو الانتظار. والمطلوب اليوم هو تشخيص موضوعي للوضع، وإعلان معطيات موثوقة، وتنسيق الجهود بين مختلف المتدخلين، حتى لا تتحول المخاوف اليومية للساكنة إلى واقع يصعب احتواؤه. فالوقاية تظل دائما أقل كلفة من معالجة المآسي بعد وقوعها، وحماية الإنسان ينبغي أن تكون الأولوية التي تلتقي حولها جميع المؤسسات والفعاليات بمدينة الداخلة.


