الداخلة بين المشاريع الكبرى وواقع البطالة: أين نصيب أبناء المنطقة من فرص الشغل؟ بقلم محمد فاضل الزين

الداخلة تيفي
بقلم : محمد فاضل الزين
تشهد مدينة الداخلة وادي الذهب إطلاق وإنجاز مجموعة من المشاريع الكبرى التي يُعوَّل عليها في تطوير البنية التحتية، وتنشيط الاقتصاد، وتعزيز مكانة المدينة في المجالات التجارية والبحرية والصحية والرياضية والطاقية. ومن بين هذه المشاريع ميناء الداخلة الأطلسي، ومتجر مرجان، والمستشفى الجامعي، والملعب الكبير، إلى جانب مشاريع التأهيل الحضري والطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر.
غير أن هذا الزخم الاستثماري يطرح سؤالاً جوهرياً لدى أبناء المنطقة: ما نصيب أبناء الداخلة من فرص العمل التي يُفترض أن تخلقها هذه المشاريع؟
فبينما تتواصل الأوراش وتتوالى الإعلانات عن الاستثمارات، يظل السؤال عن فرص التشغيل الفعلية، ونسبة المستفيدين من أبناء المنطقة، ومدى انعكاس هذه المشاريع على أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، سؤالاً مشروعاً يستحق إجابات واضحة وبيانات دقيقة.
أين أبناء الداخلة من فرص التشغيل؟
مع افتتاح متجر مرجان بالداخلة، واستمرار الأشغال بميناء الداخلة الأطلسي، وتقدم مشاريع أخرى، تبرز الحاجة إلى الكشف عن عدد مناصب الشغل التي ستُحدثها هذه المشاريع، سواء خلال مرحلة البناء أو بعد دخولها حيز الاستغلال.
كم عدد أبناء الداخلة الذين جرى تشغيلهم فعلياً في هذه الأوراش؟ وما النسبة المئوية التي يمثلونها من مجموع العاملين؟ وكم عدد المناصب التي ستُخصص لهم عند بدء الاستغلال الفعلي لهذه المنشآت؟
وهل توجد إحصائيات رسمية ومفصلة توضح توزيع فرص العمل بحسب الانتماء إلى المنطقة، والتخصص، والمستوى الدراسي، ونوع العقد والأجور؟
إن الإعلان عن مشروع استثماري كبير لا يكفي وحده لقياس أثره الاجتماعي. فالمعيار الأساسي لا ينبغي أن يقتصر على حجم الاستثمار أو عدد المنشآت التي يجري بناؤها، بل يجب أن يشمل أيضاً عدد فرص العمل المستدامة التي يوفرها المشروع، ومدى استفادة الساكنة المحلية منها.
لماذا يظل أبناء المنطقة خارج حسابات التشغيل؟
تتداول تساؤلات وشكاوى بشأن تشغيل وافدين من خارج الداخلة في بعض الأنشطة والقطاعات، مقابل استمرار معاناة شباب من أبناء المنطقة مع البطالة. وهي مسألة تستدعي التحقق من معطيات التشغيل الفعلية، بعيداً عن الأحكام العامة أو الاتهامات غير المدعومة بالأرقام.
إذا كانت هذه المشاريع تُنجز فوق أرض الداخلة وتستفيد من مؤهلاتها ومواردها وموقعها الاستراتيجي، فما التدابير المتخذة لضمان استفادة شبابها من فرص العمل التي تتيحها؟
وهل تعطي الشركات المستثمرة الأولوية للكفاءات المحلية عند تساوي المؤهلات؟ وما المعايير المعتمدة في التوظيف؟ وهل تُنشر عروض العمل وشروط الترشيح بشكل واضح يتيح لأبناء المنطقة التنافس عليها بصورة عادلة؟
كما يبرز سؤال آخر يتعلق بالتكوين المهني: هل يجري إعداد الشباب المحليين لشغل الوظائف التقنية والإدارية والتخصصية التي تتطلبها هذه المشاريع، أم أن غياب التكوين الملائم سيجعل جزءاً من فرص العمل يذهب إلى كفاءات قادمة من خارج المنطقة؟
إن معالجة هذه الإشكالات تتطلب شفافية في التوظيف، وتكويناً يستجيب لحاجات سوق العمل، وآليات تتيح للشباب المحليين الوصول إلى فرص العمل دون تمييز غير مبرر.
ميناء الداخلة الأطلسي: مشروع استراتيجي، لكن لمن ستكون فرصه؟
يمثل ميناء الداخلة الأطلسي أحد أبرز المشاريع التي يُنتظر أن تعيد تشكيل النشاط الاقتصادي بالمنطقة، من خلال الخدمات البحرية واللوجستية والتجارية والصناعية المرتبطة به.
لكن ما عدد الوظائف المباشرة وغير المباشرة المتوقع إحداثها؟ وما حصة أبناء المنطقة منها؟ وهل توجد خطة واضحة لتكوين الشباب في المهن البحرية واللوجستية والصيانة والتدبير الصناعي؟
وهل ستستفيد المقاولات المحلية من الصفقات والخدمات المرتبطة بالميناء، بما يسمح بتوسيع فرص التشغيل وتحريك الاقتصاد المحلي؟
هذه أسئلة ينبغي أن تكون جزءاً أساسياً من النقاش العمومي حول المشروع، لا أن تظل فرص العمل مجرد توقعات عامة لا تُقاس نتائجها بعد ذلك.
المستشفى الجامعي والملعب الكبير ومرجان: فرص تتطلب الشفافية
لا تقل أهمية مشاريع الصحة والتجارة والرياضة عن الميناء الأطلسي في ما يتعلق بالتشغيل.
فالمستشفى الجامعي المرتقب يمكن أن يفتح المجال أمام وظائف طبية وشبه طبية وإدارية وتقنية، بينما يحتاج متجر مرجان إلى أطر في التجارة والتسيير والمخازن والخدمات، وقد يوفر الملعب الكبير فرصاً في الصيانة والتدبير والخدمات الرياضية والأمنية وفق الاحتياجات الفعلية للمرفق.
لكن كم عدد المناصب التي سيُعلن عنها في كل مشروع؟ وما شروط الولوج إليها؟ وهل ستتاح فرص التكوين والتأهيل لأبناء الداخلة حتى يتمكنوا من المنافسة على الوظائف المؤهلة، لا أن يقتصر نصيبهم على المناصب المؤقتة أو الأقل أجراً؟
إن حق أبناء المنطقة في الاستفادة من التنمية لا يعني إقصاء الوافدين أو المساس بحق أي شخص في العمل، بل يعني ضمان تكافؤ الفرص، ومحاربة المحسوبية والتمييز، وتوفير المعلومات التي تسمح بتقييم مدى استفادة الساكنة المحلية من الاستثمارات المنجزة في محيطها.
التنمية الحقيقية تبدأ بالإنسان
إن تحديث البنية التحتية، وتشييد الموانئ والمستشفيات والملاعب، واستقطاب الاستثمارات، كلها مشاريع يمكن أن تساهم في التنمية. غير أن نجاحها الاجتماعي يظل مرتبطاً بقدرتها على تحسين حياة السكان وتوفير فرص عمل مستقرة ولائقة.
ومن هنا، تبرز مسؤولية السلطات المعنية والمجالس المنتخبة والشركات المستثمرة في تقديم معطيات واضحة حول التشغيل، ونشر أرقام المناصب المحدثة، وحصة أبناء المنطقة منها، وبرامج التكوين الموجهة إليهم، وآليات معالجة شكاوى الباحثين عن العمل.
فالداخلة لا تحتاج إلى مشاريع كبرى فقط، بل تحتاج أيضاً إلى ضمان ألا يبقى شبابها متفرجين على ثمار التنمية من دون فرص حقيقية للمشاركة فيها والاستفادة منها.
ويبقى السؤال الذي يستحق جواباً رسمياً واضحاً: كم تبلغ اليوم نسبة أبناء الداخلة العاملين في المشاريع الكبرى بالمدينة؟ وما الإجراءات الملموسة لضمان استفادة الشباب المحلي من فرص الشغل، في ظل استمرار البطالة؟
إن الإجابة بالأرقام والمعايير المعلنة هي الخطوة الأولى نحو نقاش جاد حول العدالة في توزيع فرص العمل، ومدى انعكاس المشاريع الاستثمارية على الواقع الاجتماعي والاقتصادي لأبناء الداخلة.


