في ظل استمرار التهميش: أين هو “الكوركاس” من نبض الصحراء؟ اباعلي المجاهد

الداخلة تيفي

 

لم يعد النقاشُ حول موقع الأقاليم الجنوبية في الهيكلية السياسية والدستورية للمملكة مجرد ترف فكري أو سجال نخبوي مغلق، بل أضحى سؤالاً حارقاً يمسّ صلب “المواطنة، والعدالة المجالية، ومفهوم الشراكة الوطنية الحقيقية”. يتجدد هذا السؤال مع كل تعديل أو تشكيل حكومي يتكرر فيه مشهدٌ بات مألوفاً ومستفزاً في الآن ذاته: الغياب التام—أو شبه التام—لأبناء وشباب ونخب الصحراء عن مراكز القرار التنفيذي والوزارات الاستراتيجية في التشكيلات الحكومية المتعاقبة.

أمام هذا الإقصاء الممنهج من قبل الأحزاب السياسية والدوائر المركزية، يطفو على السطح تساؤل مشروع لدى الشارع المحلي: أين هي المؤسسات التي أُحدثت أساساً لتكون صوتاً لأبناء المنطقة؟ وأين هو “المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية” (الكوركاس) مما يحدث؟

من الغاية إلى المآل: مؤسسة مع إيقاف التنفيذ تأسس “الكوركاس” في مرحلة مفصلية ليكون جسراً للمشاركة الوطنية، وحاضنة للنخب الصحراوية، وقوة اقتراحية ودبلوماسية تُعنى بتدبير شؤون المنطقة والدفاع عن القضايا المصيرية. غير أن قراءة مسار المجلس اليوم تكشف عن مفارقة حادة بين الغاية والمآل؛ فقد أُحدث في أصله ليكون قوة ترافقية وديناميكية تعكس صوت الصحراويين وتشارك في صنع القرار، غير أنه أُريد له في النهاية أن يظل مجرد “واجهة شكلية” يُستفاد منها في محطات محددة دون إعطائها أي وزن استشاري أو تقريري حقيقي.

اليوم، يتساءل الشارع المحلي بمرارة: أين هو الكوركاس مما يحدث؟ ولماذا صَمَتت هذه المؤسسة ولم نعد نسمع لها صوتاً أو رأياً في المحطات الوطنية والتنموية الكبرى؟ إن هذا التهميش وهذا الجمود خَلقَا حالة من الفراغ السياسي والقطيعة الجيلية؛ حيث وجدت الأجيال الجديدة من أبناء الصحراء، المسلحة بالشهادات العليا والكفاءات العلمية، أنفسهم مُحيَّدين تماماً عن صياغة مستقبل منطقتهم، ومُستبعدين من معادلة المشاركة الفعلية في إدارة الشأن العام للبلاد.

سؤال الانتماء وإعادة تعريف المواطنة
عندما يُستثنى أبناء الصحراء من التشكيلات الحكومية المتتالية، وتُختزل مشاركتهم في مجالس استشارية عاجزة، فإن ذلك لا يضرّ فقط بمبدأ تكافؤ الفرص، بل يطرح “سؤال الانتماء” بمرارة.

إن الشعور بالانتماء للوطن لا يُبنى بالشعارات الفضفاضة ولا بالخطابات البروتوكولية، بل يتأسس على الشراكة الفعلية في السلطة والقرار. وعندما يرى الشاب الصحراوي أن أعلى سقف لطموحه السياسي أو الإداري هو مقعد في مجلس استشاري مهجور ومهمش، بينما تظل حكومة بلاده حكراً على نخب المحور الاقتصادي والسياسي بالمركز، فإن إحساساً عميقاً بـ “المواطنة ناقصة التمثيل” يبدأ في التبلور.
المطلوب: ثورة تصحيحية وإرادة سياسية. إن تجاوز حالة الانسداد والجمود هذه يتطلب جرأة سياسية وقراءة نقدية للمسار:
* إعادة هيكلة جذرية للكوركاس: لم يعد مقبولاً استمرار مؤسسة بهذه الرمزية في حالة جمود وتهميش. يجب إما إعادة إحيائها وتطعيمها بكفاءات شبابية وأكاديمية ومجتمعية حقيقية قادرة على الصدع بالحق، أو تطوير إطارها المؤسساتي ليمتلك أداة الترافع والضغط السياسي الناجع بدلاً من الصمت والسلبية.

* قطع الأحزاب السياسية مع منطق الاستغلال الانتخابي: على الأحزاب الوطنية أن تدرك أن الصحراء ليست مجرد خزان انتخابي، بل هي مشتل لكفاءات وطنية قادرة على تدبير القطاعات الوزارية والسياسات العمومية بكفاءة عالية.

* تفعيل فلسفة الجهوية المتقدمة: لا يمكن الحديث عن جهوية متقدمة في ظل استمرار المركزية في صناعة النخب الحكومية واستبعاد أبناء المنطقة من مراكز القرار التنفيذي.

على سبيل الختم: إعادة بناء الثقة شرط أساسي للمستقبل

إن تحييد الأقاليم الجنوبية عن القرار الحكومي وإفراغ مؤسسات كـ “الكوركاس” من جوهرها الوظيفي لم يعد مجرد خلل تنظيمي يمكن التغاضي عنه، بل أضحى يعمق شرخ عدم الثقة بين الشارع المحلي والمركز. إن استقرار الأقاليم الجنوبية وتقوية جبهتها الداخلية لا يتحققان بتكثيف المشاريع التنموية الحجرية والأسفلتية وحدها، بل بالاستثمار في “الإنسان الصحراوي” وإعطائه القيمة والكرامة السياسية التي يستحقها.
لقد حان الوقت للقطيعة مع منطق الوصاية والحذر غير المبرر، والاعتراف بأن أبناء هذه المنطقة ليسوا مجرد رعايا لبرامج تنموية أو أصوات في صناديق الاقتراع، بل هم شركاء أصليون وأصلاء في وطن واحد، يحق لهم قيادة مؤسساته ووزاراته والتعبير عن إرادته الوطنية بكبرياء واستحقاق.


​
شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...
​
​