
الداخلة تيفي – منبر حر
صفر تمثيل حكومي.. هل حان الوقت لمعادلة “نعم للجماعية.. لا للتشريعية”؟
المجاهد اباعلي
—
يقف المواطن في الصحراء اليوم أمام سؤال سياسي حارق؛ لم يعد يتعلق فقط بجدوى التصويت، بل بمساءلة جوهر التعاقد مع المركز: لماذا نُدعى في كل استحقاق ملحمي لإثبات حضورنا، وتأكيد منسوب المواطنة عبر نسب مشاركة قياسية، بينما تنتهي اللعبة دائماً بالنتيجة ذاتها: صفر تمثيل تنفيذي، واستبعاد تام من التشكيلة الحكومية؟
وإذا كان الأمر كذلك، أليس من الأجدى عقلنة هذه المشاركة بمقاطعة الانتخابات التشريعية، والاقتصار على الانتخابات الجماعية والمحلية فقط، لتدبير شؤوننا اليومية بعيداً عن مجالس سياسية لا نجد أنفسنا في حكومتها؟
هذا التساؤل لا يعكس سخطاً عابراً، بل يترجم وعياً ناضجاً يرفض الاستمرار في لعب دور “الرقم الانتخابي” الذي تُشرعن به الخرائط السياسية المركزية، دون أن يكون لأبناء المنطقة أثر في ميزان القرار الحكومي.
1. جدوى التسيير المحلي ومقاطعة “المسرحية التشريعية”
إن الدافع وراء التفكير في مقاطعة الانتخابات التشريعية والاقتصار على الانتخابات الجماعية والمحلية يعود إلى عقلانية سياسية واضحة؛ فالانتخابات الجماعية ترتبط مباشرة بحياة المواطن اليومية، وبإنارة أحيائه، وتدبير خدماته القريبة ونظافة مدينته، وهي مجال يمكن للمواطن الصحراوي فيه أداء واجبه المحلي وخدمة مجتمعه المباشر.
أما الانتخابات التشريعية التي صُممت بالأساس لإنتاج مؤسسات وطنية وإقرار أغلبية حكومية، فقد أثبتت التجربة المتكررة أن أصوات الأقاليم الجنوبية فيها تُستغل فقط لرفع نسب المشاركة وإضفاء الشرعية، لتُوزع الحقائب الوزارية ومراكز القرار بعدها على صقور العاصمة وكواليس الأحزاب المركزية.
إن مقاطعة الانتخابات التشريعية تشكل موقفاً ضاغطاً وشارحاً لرسالة مفادها: نحن نشارك في تدبير شؤوننا المحلية، لكننا نرفض إعطاء شرعية لعملية تشريعية وحكومية تُقصينا بانتظام من التشكيلة التنفيذية للدولة.
1. حجية “غياب الكفاءات”: إدانة صريحة لـ 51 سنة من التنمية!
حين يُواجه هذا الغبن التنموي والتنفيذي بالذريعة المعهودة من الأحزاب والمركز حول “غياب الكفاءات الصحراوية المؤهلة لقيادة القطاعات الوزارية”، فإن هذا العذر يتحول إلى إدانة مباشرة وصريحة. كيف يُعقل قبول مقولة “عدم وجود كفاءات” بعد أزيد من نصف قرن (51 سنة) من التنمية المزعومة، والبرامج المليارية، والنموذج التنموي، والجامعات؟
إن اختزال 51 سنة في النتيجة “صفر كفاءة وزارية” هو إعلان صريح عن فشل السياسات العمومية في بناء العنصر البشري، أو هو –وهذا الأقرب للواقع– تهميش سياسي متعمد.
فالأقاليم الجنوبية تزخر بعقول وأكاديميين وأطر رفيعة المستوى في كل المجالات، غير أن الهيمنة الحزبية المغلقة في العاصمة، واستسهال التعاطي مع نخب محلية تقليدية مسلوبة الإرادة، هما السبب الحقيقي وراء إغلاق الأبواب أمام الكفاءات الحقيقية.
1. نحو إعادة صياغة التعاقد السياسي
إن الاستمرار في التعاطي مع الصحراء كمنطقة يُطلب منها “الالتزام الانتخابي” دون منحها “العدالة التمثيلية” لم يعد قابلاً للاستمرار. فالأجيال الجديدة من الشباب وحملة الشهادات من أبناء المنطقة ينظرون إلى هذا النهج باعتباره إقصاءً منظماً يكرس التبعية ويحرمهم من المشاركة الفاعلة في بناء وطنهم.
إن إصلاح هذا الشرخ يمر حتماً عبر الانتقال من منطق “الاحتواء والضبط الإداري” إلى منطق “الشراكة الوطنية الكاملة”: على المركز والأحزاب: أن يدركوا أن الشراكة لا تُختزل في نسبة المشاركة يوم الاقتراع، بل تتجسد في إشراك أبناء المنطقة في السلطة التنفيذية ومراكز صنع القرار.
وعلى النخب المحلية: أن تتوقف عن لعب دور “الوسيط الانتخابي الموسمي”، وترتقي إلى مستوى الدفاع عن الحق السياسي لأهل المنطقة في مواطنة كاملة الشروط.
خلاصة القول:
إن أهل الصحراء لا يطلبون امتيازاً ولا ريعاً سياسياً، بل يطالبون بموقعهم الطبيعي على طاولة القرار الوطني. وحين تصبح النتائج معروفة مسبقاً بالتهميش الحكومي، فإن خيار عقلنة المشاركة —عبر الاقتصار على الشأن المحلي ومقاطعة الاستحقاقات التشريعية— يغدو موقفاً منطقياً لقرع ناقوس الخطر، والتأكيد على أن دمج الصحراء الحقيقي يبدأ من احترام إرادة أبنائها وكفاءاتهم.


