اللي اختشو ماتوا .. هناك مواقف سياسية تجعل المرء يتساءل فعلا: هل نحن أمام قناعة راسخة أم أمام ذاكرة سياسية قصيرة؟

الداخلة تيفي
اللي اختشو ماتوا
هناك مواقف سياسية تجعل المرء يتساءل فعلا: هل نحن أمام قناعة راسخة أم أمام ذاكرة سياسية قصيرة؟
عضوة بمجلس جهة الداخلة وادي الذهب ظلت، حسب ما يبدو، خارج دائرة الضوء لسنوات، قبل أن تستيقظ فجأة وتبدأ في مخاطبة السيد الوالي وتقول إنها تثق في الوالي وإنها تريد الوالي، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول توقيت هذه الخرجة والرسائل التي يراد تمريرها من خلالها.
لكن في رأي الداخلة تيفي، لسنا مهتمين كثيرا بالدور الذي تريد هذه العضوة أن تلعبه في علاقتها بالوالي، ولا بالرسالة السياسية التي تريد إيصالها عبر دورة مجلس الجهة لاستهداف منتخبين في مجلس آخر، بقدر ما يهمنا شيء واحد ورد في كلامها: الحديث عن وجود تمييز بين الأحياء والمواطنين.
وهنا تحديدا نقول: هذه الجملة مردودة على صاحبتها قبل غيرها.
كيف يمكن الحديث عن التمييز بين الأحياء والمواطنين، في الوقت الذي توجد فيه عضوة داخل مجلس الجهة، بينما مئات الكفاءات من أبناء الأحياء الأصيلة بالداخلة، ممن عايشوا بناء هذه المدينة شبرا شبرا، ظلوا منذ سنة 1979 خارج دائرة التمثيلية داخل المجالس المنتخبة؟
هل التمييز يبدأ عندما يصل الدور إلى حي معين، وينتهي عندما يتعلق الأمر بأحياء أخرى؟
إذا كان ملف النظافة هو المشكل المطروح، فهناك مجالس ومؤسسات لها اختصاصات واضحة، وهناك حلول وبرامج وميزانيات ومسؤوليات يجب أن تناقش في إطارها المؤسساتي.
فحين تعاني ساكنة حي الوحدة من مشكل النفايات، فالمشكل نفسه تعاني منه ساكنة أحياء أكسيكيسات والسلام ولفطيحات والقسم والأمل وغيرها من أحياء المدينة.
لا توجد ساكنة درجة أولى وساكنة درجة ثانية.
ولا يوجد حي يمتلك حق احتكار الحديث باسم الداخلة، كما لا يحق لأي منتخب أو فاعل سياسي أن يقدم نفسه باعتباره الناطق الرسمي باسم حي معين وكأننا أمام جمهوريات صغيرة داخل مدينة واحدة.
الداخلة مدينة واحدة، وجهة واحدة، ووطن واحد.
جهة الداخلة وادي الذهب تضم إقليمي وادي الذهب وأوسرد، وكلاهما جزء لا يتجزأ من المملكة المغربية، تحت علم وطني واحد، وعملة واحدة، وشعار واحد، ومؤسسات واحدة.
ومن يريد أن يحول بعض أحياء المدينة إلى مناطق نفوذ خاصة، أو يتعامل معها وكأنها كيانات منفصلة لها خطابها السياسي الخاص، فعليه أن يراجع نفسه أولا، وعلى الحزب السياسي الذي ينتمي إليه أن يراجع بدوره هذا الخطاب وهذه الممارسات.
أما إذا أردنا فعلا أن نتحدث عن الفرزيات بين الأحياء، فلنبدأ من السؤال الحقيقي: ماذا قدمت المجالس والمؤسسات لساكنة الأحياء الأصلية بالمدينة؟
هذه الساكنة لم تكن يوما مدينة بوجود أي مجلس منتخب، ولم تنتظر من أحد أن يمنحها صك الانتماء إلى الداخلة.
هذه أحياء بناها أبناؤها وعاش فيها أهلها لعقود، وتعلم فيها أبناؤها، واشتغلوا فيها، ودافعوا عن مدينتهم، وكانوا جزءا من تاريخها قبل أن تصبح بعض المناصب الانتخابية موضوعا للتنافس السياسي.
لذلك، من حق المواطن أن يسأل: من أعطى لبعض السياسيين حق الحديث باسم حي دون آخر؟ ومن منحهم حق توزيع صكوك المواطنة والانتماء؟ ومن قال إن حي الوحدة أهم من أكسيكيسات، أو السلام أهم من لفطيحات، أو هذا الحي يستحق الاهتمام أكثر من ذاك؟
المواطن هو المواطن، والحي هو جزء من مدينة واحدة، والمجلس المنتخب مؤسسة لخدمة الجميع وليس منصة لإعادة إنتاج الحسابات السياسية.
أما استغلال مشاكل المواطنين وتحويلها إلى سلاح سياسي ضد منتخبين آخرين، فهذا ليس دفاعا عن الساكنة، بل توظيف لمعاناة الناس في معارك سياسية ضيقة.
والأخطر من ذلك أن يتحول الحديث عن التهميش والتمييز إلى وسيلة للفرز بين أبناء المدينة، بينما المطلوب هو العكس تماما: جمع الناس حول مشاكلهم الحقيقية، وليس تقسيمهم إلى أحياء ومناطق ومجموعات انتخابية.
الداخلة أكبر من هذه الحسابات.
والساكنة أذكى من أن تُستعمل كل مرة في تصفية الحسابات السياسية.
وفي النهاية، إذا كان شعار المرحلة هو محاربة التمييز بين الأحياء، فلنبدأ من أنفسنا أولا، ولنضع جميع أحياء الداخلة أمام معيار واحد، وجميع المواطنين أمام الحقوق نفسها، وجميع المنتخبين أمام المسؤولية نفسها.
أما أن نستيقظ بعد سنوات من النوم السياسي لنكتشف فجأة أن هناك تمييزا بين الأحياء، فهنا بالفعل يمكن القول:
اللي اختشو ماتوا.


