الإقبال الانتخابي في الأقاليم الجنوبية والمخرجات المرتقبة للتشكيل الحكومي.. هل سيتكرر سيناريو التهميش ؟ بقلم : المجاهد اباعلي

الداخلة تيفي
لا ينبغي أن تُقرأ استحقاقات 2026 باعتبارها مجرد أرقام انتخابية ومقاعد برلمانية، أو خريطة جديدة لموازين القوى بين الأحزاب؛ فالانتخابات تحمل أيضاً رسالة سياسية واضحة: الجنوب حاضر، يشارك، ينتخب، وينتج نخبه وكفاءاته. ومن هنا يبرز سؤال أكثر أهمية من نتائج الصناديق نفسها: هل ستنتقل هذه المشاركة من المجال الانتخابي إلى دائرة صناعة القرار؟
لقد آن الأوان للتخلي عن النظرة التي تختزل الأقاليم الجنوبية في وظيفة انتخابية موسمية، تجعل منها ما يشبه “البنك الانتخابي” الذي يُستدعى عند الاستحقاقات لترجيح موازين القوى، ثم يتراجع حضوره عندما تبدأ مفاوضات تشكيل الحكومة وتوزيع الحقائب ومواقع التأثير. والمفارقة أن الجنوب يُطلب منه أن يكون حاضراً بقوة في صناديق الاقتراع، بينما تظل مساهمة نخبه في دوائر القرار التنفيذي محدودة، رغم ما راكمته من تجارب سياسية وانتخابية ومؤسساتية.
ولا مؤشر أكبر من حرص قيادات الأحزاب الكبرى على الحضور الشخصي في الأقاليم الجنوبية لحظة إطلاق شرارة الدعاية الانتخابية وهو ما يمثل اعترافاً صريحاً بالوزن السياسي والاستراتيجي لهذه المناطق. غير أن هذا الحرص الميداني يضع القيادات نفسها أمام اختبار مصداقية مباشر؛ إذ لم يعد الناخب المحلي ينظر إلى افتتاح الحملات باعتباره حدثاً استعراضياً أو مجرد توظيف لرمزية المنطقة. فالحرص على استهلال الحملات من الجنوب لا يكتمل معناه السياسي إلا إذا انعكس بنفس القوة والشجاعة عند توزيع المسؤوليات داخل الهندسة الحكومية المقبلة
ولا يتعلق الأمر هنا بالمطالبة بحصة جهوية في الحكومة، أو باستبدال المحاصصة الحزبية بمحاصصة جغرافية، وإنما بإعادة الاعتبار إلى الكفاءة والشرعية الانتخابية والخبرة المؤسساتية باعتبارها معايير أساسية في اختيار المسؤولين، أياً كان انتماؤهم الجغرافي. فالجنوب لا يفتقر إلى الكفاءات، بل يزخر بنخب راكمت تجربة في تدبير الشأن العام، ومعرفة مباشرة بخصوصيات المنطقة وتحدياتها وانتظارات سكانها.
ومن غير المنطقي أن تتحول هذه الخبرة إلى مؤهل للتدبير الترابي فقط، وكأن هناك سقفاً غير مكتوب يفصل بين الشرعية التي يمنحها الناخب محلياً، وبين الحق في المساهمة في صناعة السياسات العمومية على المستوى الوطني. بل إن التجربة المحلية يمكن أن تكون قيمة مضافة للعمل الحكومي؛ لأنها تمنح صاحبها معرفة ميدانية بما يحدث خارج المركز، وبالفجوة التي قد تفصل أحياناً بين السياسات العمومية عند صياغتها وبين واقع تنفيذها.
لذلك، فإن تشكيل الحكومة المقبلة يمثل فرصة لإعادة التفكير في العلاقة بين المركز والأطراف، ليس بمنطق الامتيازات الجهوية، وإنما بمنطق توسيع دائرة الكفاءات الوطنية داخل مؤسسات الدولة. وهنا تحديداً تُختبر الأحزاب؛ فالمواطن في الجنوب أدى دوره في العملية الديمقراطية واختار ممثليه، وأما مسؤولية الأحزاب بعد إعلان النتائج، فهي أن تثبت أن هذا الحضور الانتخابي ليس مجرد رصيد يُستثمر في صناديق الاقتراع، بل يمكن أن يتحول إلى حضور مؤسساتي فعلي متى توفرت شروط الكفاءة والاستحقاق.
إن إشراك نخب الأقاليم الجنوبية في مواقع تنفيذية وازنة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره منّة أو امتيازاً، بل باعتباره استثماراً في الكفاءات الوطنية، وتعزيزاً للثقة في المؤسسات، وترجمة عملية لمبدأ العدالة المجالية. لقد قال الجنوب كلمته في صناديق الاقتراع، والآن حان دور الأحزاب لكي تقول كلمتها في تشكيل الحكومة.
فالرهان في النهاية ليس على حصة للجنوب، وإنما على قاعدة أكثر بساطة وعدلاً: أن تكون الكفاءة والاستحقاق والشرعية هي بوابة المسؤولية، لا القرب من المركز. وعندها فقط، لن يكون الجنوب مجرد بنك انتخابي، بل شريكاً كاملاً في صناعة القرار.


