
الداخلة تيفي – منبر حر
بقلم : أحمد حيماد
في الداخلة، حيث يعانق المحيطُ الصحراءَ، تجري هذه الأيام هجرةٌ من نوع آخر: لا أسرابَ طيورٍ تعبر السماء بحثًا عن الدفء، بل قوافلَ سياسيين يعبرون الضفاف الحزبية بحثًا عن التزكية. هجرةٌ لا تحكمها الفصول، بل مواعيد الاقتراع؛ ولا يقودها اقتناعٌ، بل بوصلةُ المقعد. وقبل أشهر قليلة من استحقاقات شتنبر 2026، تحوّل المشهد السياسي بجهة الداخلة وادي الذهب إلى ما يشبه سوقًا مفتوحةً للانتقالات، يُعرَض فيها الولاء كما تُعرَض البضائع، وتُقاس فيها قيمة الفاعل السياسي لا بما راكمه من مواقف، بل بما يحمله معه من “أصوات جاهزة”.
حين يصبح الحزب محطةَ قطار لا بيتًا للفكرة
لنسمِّ الأشياء بأسمائها دون تجنٍّ على أحد: ما تعرفه الجهة اليوم من انتقالات وازنة بين الأحزاب الكبرى، ومن إعادة اصطفافٍ جماعيةٍ لمنتخبين وفاعلين محليين عشية الانتخابات، هو فعلٌ قانونيٌّ في غالب صوره، لا يجرّمه نصٌّ ولا تُبطله محكمة. لكن السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط في أحياء الداخلة وأوسرد وبئر كندوز ليس سؤالَ القانون، بل سؤالَ الأخلاق: إذا كان الحزب قناعةً وبرنامجًا ورؤيةً للمدينة والجهة والوطن، فكيف تتبدّل القناعة بين عشيةٍ وضحاها؟ وإذا لم يكن كذلك، فعلامَ صوّتنا أصلًا؟
الحقيقة المُرّة أن الحزب، لدى شريحةٍ من الفاعلين، لم يعد بيتًا للفكرة بل محطةَ قطار: يُركَب حين يسير في اتجاه المنصب، ويُغادَر حين يتباطأ أو يغيّر وجهته. والمبادئ التي تُرفَع في المهرجانات الخطابية، وتُطرَّز بها البلاغات، تحوّلت عند هؤلاء إلى شعاراتٍ موسميةٍ تُنصَب كالخيام في موسم الانتخابات، ثم تُطوى وتُحمَل على الظهور إلى الواحة الحزبية التالية. إنها سياسةُ “البدو الرُّحّل” في نسختها الانتخابية، مع فارقٍ جوهري: البدويُّ يرحل بحثًا عن الكلأ لقطيعه، أما المترحّل السياسي فيرحل بحثًا عن الكلأ لنفسه، والقطيعُ ـ أي الناخبون ـ متروكٌ في العراء.
ما الذي ينتقل فعلًا حين ينتقل السياسي؟
يخطئ من يظن أن المسألة انتقالُ فردٍ من لونٍ حزبي إلى آخر. الذي ينتقل، في الحقيقة، هو شبكةٌ كاملة: قواعدُ انتخابية، وولاءاتٌ اجتماعية، ومفاتيحُ دوائر، ونفوذٌ تراكم عبر سنوات من التدبير المحلي. والأحزاب التي تتباهى باستقطاب “الأسماء الوازنة” تعرف ذلك جيدًا؛ فهي لا تستقطب أفكارًا ولا كفاءاتٍ برامجية بقدر ما تقتني “آلاتِ فوزٍ” مجرَّبة، في منطقٍ أقرب إلى الميركاتو الكروي منه إلى التنافس الديمقراطي. وهنا مكمن الداء: حين تتحول الأحزاب نفسها من مدارس لتكوين النخب إلى أنديةٍ تشتري النجوم، فإنها تشارك في حفر القبر الذي ستُدفَن فيه مصداقيتها.
والأخطر من ذلك أن هذا المنطق يقلب المعادلة الديمقراطية رأسًا على عقب. ففي الديمقراطيات الراسخة، يختار الناخبُ البرنامجَ فيأتي المرشحُ تابعًا له؛ أما في سوق الترحال، فيُختار المرشحُ “الرابح” أولًا، ثم يُفصَّل له البرنامج كما يُفصَّل الثوب على المقاس. وبذلك يصبح البرنامج الانتخابي مجرد ديكورٍ لغوي، ويصبح صوت المواطن ورقةً في مزادٍ لا يملك هو فيه إلا دور المتفرج.
ثقةٌ تتآكل كما تأكل الرمالُ الطريق
من يجالس المواطنين في مقاهي الداخلة أو أسواقها يلمس الحصاد المرَّ لهذا العبث: عزوفٌ يتمدد، وسخريةٌ باتت اللغةَ الأولى في الحديث عن الشأن العام، وقناعةٌ تترسخ بأن “السياسة كلها مصالح”. وهذه القناعة، وإن بدت حكمًا شعبيًّا متسرعًا، فإن سلوك بعض النخب يمنحها كل يومٍ دليلًا جديدًا. فالمواطن الذي منح صوته لمرشحٍ باسم حزبٍ معين، ثم استيقظ ليجده يخطب باسم حزبٍ آخر بالحماسة ذاتها والقاموس ذاته، لن يقتنع بعد اليوم بأن للانتماء معنى، ولن يرى في صناديق الاقتراع سوى طقسٍ شكليٍّ تُعاد فيه خلط الأوراق نفسها.
وتآكل الثقة هذا ليس ترفًا نظريًّا في جهةٍ كالداخلة وادي الذهب. فهذه الجهة ليست هامشًا في الخريطة الوطنية، بل واجهةٌ استراتيجية للمملكة، ومختبرٌ للنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، وبوابةُ المغرب نحو عمقه الإفريقي. ومشاريعُ بهذا الحجم ـ ميناءً أطلسيًّا وبنياتٍ ومستثمرين ـ تحتاج نخبًا مستقرةً على رؤية، لا نخبًا مشغولةً بحساب المسافة بين مقعدها الحالي ومقعدها المحتمل. فالتنمية الحقيقية بناءٌ تراكمي يحتاج نَفَسًا طويلًا وولاءً للمشروع لا للموقع، أما الانتهازية السياسية فهي بطبيعتها قصيرة النفس، لا ترى أبعد من الاستحقاق القادم، ولا تبني إلا جسورًا مؤقتةً نحو مصالحها. ومَن كان ولاؤه للكرسي، كان عطاؤه بعمر الكرسي.
المناصب تزول.. والسِّيَر تبقى
ثمة حقيقةٌ ينساها المترحّلون في غمرة السباق: المنصب ظلٌّ زائل، تُطفئه دورةٌ انتخابية أو قرارُ تزكية، أما السيرة السياسية فهي النقشُ الذي لا يمحوه الزمن. والتاريخ ـ محليًّا ووطنيًّا ـ لا يحفظ أسماء الذين جمعوا المقاعد، بل أسماء الذين وقفوا على مبدأ حين كان الوقوف مكلفًا. السياسي الحقيقي هو من يقبل خسارة المنصب ولا يقبل خسارة نفسه؛ هو من إذا ضاق عليه حزبه ناضل لإصلاحه من الداخل أو غادره إلى صفوف المعارضة أو إلى بيته، لا إلى الضفة التي توزّع التزكيات. أما من جعل من ذمّته السياسية دفترَ تنقّلاتٍ، فسيكتشف متأخرًا أن الأحزاب التي اشترته اليوم ستبيعه غدًا بالمنطق نفسه الذي اقتنته به، وأن الناخب الذي صفّق له في القاعات يسجّل في صمتٍ كلَّ شيء.
نحو ردِّ الاعتبار لشرف السياسة
ليست هذه دعوةً لتجميد الحياة الحزبية ولا لمصادرة حق أي فاعلٍ في مراجعة اختياراته؛ فالمراجعة الفكرية الصادقة شرفٌ، لكن شتّان بين من يغيّر موقعه لأن قناعته تغيّرت، ومن يغيّر قناعته لأن موقعه مهدَّد. إنها دعوةٌ لإعادة الاعتبار للأخلاق السياسية بوصفها البنية التحتية الحقيقية لأي ديمقراطية: أن تستعيد الأحزابُ دورها التأطيري فلا تكافئ القفز على أسوارها، وأن يُفعَّل المبدأ الدستوري الذهبي “ربط المسؤولية بالمحاسبة” فلا يظل شعارًا معلّقًا فوق منصات الخطابة، وأن يمارس الناخبُ بدوره محاسبته الخاصة، فيسأل كلَّ طارقٍ لبابه: أين كنتَ بالأمس، وباسم من تتكلم اليوم؟
فالجهةُ التي قهر أبناؤها قسوةَ الجغرافيا وبنوا على الرمال مدينةً تنبض بالحياة، أكبرُ من أن تُختزل مطامحُها في لعبة كراسٍ موسمية. والداخلة التي تستحق أن تكون قاطرةَ الجنوب، تستحق قبل ذلك نخبةً تليق بها: نخبةً تدرك أن الكراسي تُصنَع من خشبٍ يبلى، أما المواقف فتُنحَت في ذاكرة الناس، وذاكرةُ الناس ـ في الصحراء خاصةً ـ طويلةٌ طولَ الأفق.
سقط اسمٌ جديد في سوق الذمم، فامتلأت السلال وما امتلأت الشهية. ونسأل كما لا نحب أن نسأل: هل من مزيد؟ هل بقي في الجهة حزبٌ لم يفتح أبوابه للعابرين، أم بقي عابرٌ لم يجرّب كل الأبواب؟ هل من مزيدٍ من البلاغات التي “تفتخر بالانضمام”، ومن الولاءات التي تُوقَّع في الصالونات و والفيلات وتُنقَض في الكواليس؟ وهل من مزيدٍ من صبر ناخبٍ صار يُساق إلى الصناديق كما تُساق البضاعة إلى الميزان؟ كلما قلنا اكتفى السوق، نادى مناديه: هل من مزيد؟»
بقلم أحمد حيماد


