من الداخلة إلى العيون فالطنطان… الأحرار يبعث رسالة الحسم، الحزب الذي يهيئ نفسه لقيادة حكومة الحكم الذاتي والمونديال

الداخلة تيفي
لم تكن الجولة التي قادت رئيس الحكومة ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار عزيز أخنوش، مرفوقًا برئيس الحزب محمد شوكي وأعضاء المكتب السياسي، إلى الأقاليم الجنوبية مجرد لقاءات تنظيمية عادية أو محطات تواصلية روتينية، بل حملت في طياتها رسائل سياسية عميقة تتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة، وتؤكد أن الحزب اختار أن يكون حاضرًا في قلب القضايا الوطنية الكبرى، وفي مقدمتها ورش الحكم الذاتي والتنمية الشاملة التي تشهدها الصحراء المغربية، إلى جانب الاستعداد للمواعيد الدولية الكبرى التي تنتظر المملكة، وعلى رأسها تنظيم كأس العالم 2030.
لقد جاءت هذه الزيارة في ظرفية سياسية دقيقة، تتسم بتصاعد التحديات الإقليمية والدولية، وبداية العد العكسي للاستحقاقات المقبلة، وهو ما جعل العديد من الأحزاب تفضل التريث أو الاكتفاء بالتحركات المحدودة. غير أن حزب التجمع الوطني للأحرار اختار نهجًا مختلفًا، عنوانه الحضور الميداني، والتواصل المباشر، وإظهار القدرة على تجميع مختلف مكونات المجتمع الصحراوي تحت سقف واحد.
في مدينة الداخلة، كانت الصورة أبلغ من كل التعليقات. آلاف المواطنين والمواطنات، من مختلف القبائل والفئات الاجتماعية، حضروا في لقاء سياسي كبير عكس حجم التعبئة التي استطاع الحزب تحقيقها. ولم يكن المشهد مجرد تجمع جماهيري، بل جسد نموذجًا للتعايش والوحدة، حيث التقت مختلف المكونات القبلية والاجتماعية حول خطاب سياسي يدعو إلى التنمية، ويؤكد التشبث بالوحدة الترابية للمملكة، ويضع الأقاليم الجنوبية في صلب المشروع الوطني للمستقبل.
هذا الحضور الواسع أظهر أن الحزب يمتلك قدرة تنظيمية كبيرة، كما أبرز أن الخطاب السياسي الذي يتبناه أصبح أكثر انسجامًا مع التحولات التي يعرفها المغرب، خصوصًا في ظل المشاريع الملكية الكبرى التي تشهدها الصحراء، والاستثمارات الضخمة التي جعلت من هذه الأقاليم ورشًا مفتوحًا للتنمية.
أما بمدينة العيون، كبرى حواضر الجنوب المغربي، فقد حملت الزيارة دلالات سياسية لا تقل أهمية. ففي الوقت الذي فضلت فيه أحزاب أخرى التزام الصمت أو تجنب تنظيم أنشطة جماهيرية واسعة، اختار حزب الأحرار أن يخوض التحدي، وأن ينظم لقاءً سياسيًا كبيرًا وسط حضور وازن لمختلف مكونات المجتمع المحلي، في رسالة واضحة مفادها أن العمل السياسي الحقيقي لا يقاس بالبيانات ولا بالتصريحات، وإنما بالقدرة على النزول إلى الميدان والتواصل المباشر مع المواطنين.
لقد أكد هذا الحضور أن الحزب يسعى إلى بناء علاقة قائمة على الثقة مع ساكنة الأقاليم الجنوبية، وأنه يعتبر هذه المناطق شريكًا أساسيًا في صياغة مستقبل المغرب، وليس مجرد فضاء انتخابي موسمي.
وفي مدينة طانطان، استمرت الرسالة بنفس الوضوح. فاللقاء الذي احتضنته المدينة عكس رؤية تعتبر أن الأقاليم الجنوبية وحدة متكاملة، وأن تنميتها يجب أن تتم بمنطق الإنصاف والتوازن، بعيدًا عن أي مقاربة انتقائية. كما أن اختيار طانطان ضمن هذه الجولة يحمل دلالة سياسية وتنموية، تؤكد أن جميع أقاليم الجنوب تحظى بنفس الاهتمام داخل المشروع الذي يحمله الحزب.
إن ما ميز هذه الجولة أيضًا هو نجاح الحزب في جمع عدد كبير من شيوخ القبائل والأعيان والمنتخبين والفاعلين المحليين في فضاء سياسي واحد، وهو أمر يعكس، بالنسبة للعديد من المتابعين، قدرة تنظيمية وحوارية تكتسي أهمية خاصة في منطقة تعتبر البنية القبلية أحد مكوناتها الاجتماعية الأساسية.
وفي ظل اقتراب مرحلة جديدة من تنزيل مشروع الحكم الذاتي، تبدو الحاجة أكبر إلى أحزاب قادرة على توحيد الرؤى، وبناء جسور الثقة، وتأطير المواطنين، ومواكبة الأوراش الكبرى التي تعرفها المملكة. كما أن اقتراب موعد تنظيم كأس العالم 2030 يفرض وجود أحزاب تمتلك رؤية تنموية وسياسية قادرة على مواكبة هذا التحول التاريخي، سواء من خلال تعبئة المجتمع أو مواكبة المشاريع الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة به.
لقد بعثت جولة التجمع الوطني للأحرار في الأقاليم الجنوبية برسالة سياسية واضحة مفادها أن الحزب لا يكتفي بإدارة الشأن الحكومي، بل يسعى إلى ترسيخ حضوره الميداني، وإلى لعب دور محوري في مواكبة المرحلة المقبلة. وبينما اختارت بعض القوى السياسية الاكتفاء بالمراقبة أو التردد، فضل حزب الحمامة أن يكون حاضرًا في الميدان، واضعًا نفسه أمام اختبار التواصل المباشر مع المواطنين.
وفي النهاية، تبقى الكلمة الفصل دائمًا للمواطن وصناديق الاقتراع، غير أن ما أفرزته هذه الجولة يؤكد أن الأقاليم الجنوبية أصبحت محورًا أساسيًا في التنافس السياسي الوطني، وأن الحزب الذي يستطيع بناء جسور الثقة مع مختلف مكونات المجتمع الصحراوي سيكون الأقرب إلى مواكبة الاستحقاقات الكبرى التي تنتظر المغرب خلال السنوات القادمة، وفي مقدمتها استكمال تنزيل مشروع الحكم الذاتي، وتعزيز التنمية، وإنجاح الرهانات الدولية التي تضع المملكة في واجهة العالم.


