في الداخلة.. هل ننتخب من نراه الأصلح أم من تنتمي إليه القبيلة والعائلة؟ بقلم : سيدي مولاي الزين

الداخلة تيفي

في الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الانتخابات مناسبة لتنافس البرامج والأفكار والكفاءات، لا تزال بعض الممارسات السياسية في الداخلة تستحضر منطقاً انتخابياً قديماً يقوم على العصبية القبلية والروابط العائلية أكثر مما يقوم على الاختيار الحر والمسؤول. فداخل العائلة الواحدة قد ينقسم أبناء العمومة إلى معسكرات متصارعة بسبب دعم هذا المرشح أو ذاك، وقد يتحول الاختلاف السياسي الطبيعي إلى خصومة اجتماعية، فقط لأن شخصاً اختار أن يصوت لمرشح مختلف. والأخطر أن بعض المرشحين لا يترددون في تقديم أنفسهم باعتبارهم «مرشح القبيلة» أو «مرشح العائلة»، وكأن تدبير الشأن العام امتياز تمنحه الأنساب والروابط الاجتماعية، وليس مسؤولية يحددها البرنامج والكفاءة وصندوق الاقتراع.

المشكلة ليست في القبيلة باعتبارها مكوناً اجتماعياً وثقافياً له مكانته وخصوصيته، ولا في العائلة باعتبارها رابطة إنسانية واجتماعية. المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الروابط إلى أداة سياسية للضغط والتعبئة والتوجيه. اجتماعات قبلية، استنفار للأعيان والوجهاء، زيارات عائلية، ضغط اجتماعي، ومحاولات لإقناع الأقارب بأن دعم مرشح معين هو نوع من «الواجب» تجاه المجموعة. هنا يصبح السؤال: هل نحن أمام مواطن يختار ممثله بحرية، أم أمام فرد مطالب بإثبات ولائه العائلي أو القبلي داخل صندوق الاقتراع؟ وعندما يصل الأمر إلى أن يعادي قريبٌ قريبه، أو ينقطع التواصل بين أبناء العمومة بسبب اختلاف انتخابي، فإننا لا نكون أمام ممارسة سياسية صحية، بل أمام توظيف للروابط الاجتماعية في معركة انتخابية يفترض أن تكون مبنية على الاختيار والاقتناع.

الأكثر إثارة للقلق أن هذا المنطق لا يضر فقط بالانتخابات، بل يؤخر تطور العقلية السياسية داخل المجتمع. نحن نعيش في القرن الحادي والعشرين، في مدينة تتطلع إلى التنمية والاستثمار والتعليم وفرص الشغل وتحسين الخدمات، ومع ذلك لا تزال بعض الخطابات الانتخابية تختزل السياسة في سؤال: «من معنا؟» بدلاً من السؤال الأكثر أهمية: «ماذا سيقدم؟». أين هو البرنامج؟ ماذا سيقدم المرشح للمدينة؟ ما رؤيته لمشاكل الشباب والبطالة؟ ماذا عن الصحة والتعليم والبنية التحتية والاستثمار؟ أين هي المحاسبة؟ وما الذي يجعل هذا المرشح أكثر كفاءة من غيره؟ هذه هي الأسئلة التي يفترض أن تحسم المنافسة، لا اسم العائلة ولا الانتماء القبلي ولا عدد الأشخاص الذين يمكن حشدهم خلف هذا المرشح أو ذاك.

والأخطر من ذلك أن استمرار هذا الأسلوب قد يجعل بعض المرشحين يستثمرون في الانقسام بدل الاستثمار في الإقناع، وفي الولاءات بدل بناء المشاريع، وفي الأشخاص بدل تقديم الأفكار. فحين يصبح معيار القوة الانتخابية هو حجم شبكة القرابة والقدرة على تحريك الأعيان والوجهاء، يصبح صاحب البرنامج الجيد في وضع غير عادل أمام من يمتلك شبكة اجتماعية أوسع، حتى وإن كان أقل كفاءة. وهنا تتحول الانتخابات من وسيلة لاختيار الأفضل إلى ساحة لإعادة إنتاج نفس العقليات والوجوه، بينما يبقى الشباب والكفاءات وأصحاب الأفكار الجادة على هامش المشهد. إن الديمقراطية لا تُقاس بعدد من حضروا اجتماعاً قبلياً، ولا بعدد الصور التي التقطت في مناسبة عائلية، وإنما بقدرة المرشح على إقناع المواطن بأنه الأقدر على تمثيله وخدمة مدينته.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه اليوم في الداخلة ليس: إلى أي قبيلة ينتمي المرشح؟ ومن عائلته؟ ومن يدعمه من الأعيان؟ بل: ماذا يعرف عن مشاكل المدينة؟ ماذا قدم؟ ماذا يستطيع أن يقدم؟ وما برنامجه؟ وهل يمتلك الكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية والمحاسبة؟ فالقبيلة والعائلة يمكن أن تبقيا فضاءً للروابط والتكافل والهوية الاجتماعية، لكن لا ينبغي أن تتحولا إلى بطاقة انتخابية أو وسيلة لإلغاء عقل المواطن واختياره. وفي نهاية المطاف، يبقى صندوق الاقتراع لحظة يفترض أن ينتصر فيها العقل على العصبية، والبرنامج على الولاء، والكفاءة على النسب. والسؤال الذي يستحق أن يطرح نفسه بقوة في جهة الداخلة وادي الذهب: هل ننتخب من نراه الأصلح… أم من تنتمي إليه القبيلة والعائلة؟


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...