للتاريخ من يحكيه المجاهد البطل محمد ولد أحمد ولد بكار القبيلة: السكارنة (بقلم غالي ميارة)

الداخلة تيفي

تخليدًا لذكرى معركة أم التونسي التاريخية سنة 1932، التي دارت رحاها قرب العاصمة الموريتانية نواكشوط بين مجموعة من المجاهدين الصحراويين المنحدرين من قبائل مختلفة والقوات الاستعمارية الفرنسية، تستحضر الرواية الشفوية المحلية أسماء عدد من الرجال الذين أبلوا البلاء الحسن في هذه المواجهة، وقدموا نماذج بارزة في الشجاعة والمقاومة.

ومن بين الشخصيات التي تحتفظ الذاكرة المحلية بذكرها، يبرز اسم المجاهد محمد ولد أحمد ولد بكار، الملقب بـ«بوكراع ولد بكار» والمنتمي إلى قبيلة السكارنة، والذي تروي المصادر الشفوية المتداولة أنه خاض معركة أم التونسي بشجاعة كبيرة، وتمكن خلالها من غنم ثلاث بنادق، كما واجه عددًا من عناصر القوات الفرنسية والمتعاونين معها، وساهم في إنقاذ بعض رفاقه المجاهدين من الوقوع في الأسر.

وتشير الرواية المتوارثة بشأن مسيرته إلى أنه، عقب انتهاء المعركة، واصل نشاطه المقاوم من خلال عمليات فدائية استهدفت رموز الوجود الاستعماري. وتذكر هذه الرواية قيامه بعملية ضد مسؤول فرنسي في موريتانيا، قبل أن يتولى إعادة زوجته، المسماة العالية الغيلاني، إلى أهلها، في موقف ظل حاضرًا في الذاكرة المتناقلة بوصفه تعبيرًا عن التمسك بالقيم والأعراف واحترام المرأة وحمايتها بعيدًا عن منطق الانتقام.

وقد لقي هذا التصرف، بحسب الرواية ذاتها، ترحيبًا وتقديرًا لدى قبيلة أولاد غيلان.

بعد ذلك، اتجه المجاهد محمد ولد أحمد ولد بكار شمالًا نحو المناطق الصحراوية التي كانت خاضعة آنذاك للاستعمار الإسباني، حيث تواصلت فصول مقاومته. وتروي الذاكرة الشفوية أنه نفذ عملية أخرى استهدفت أحد المسؤولين الإسبان بمدينة الداخلة، قبل أن يواصل طريقه شمالًا رفقة رجلين من أهل الشيخ ماء العينين كانا مطلوبين لدى السلطات الفرنسية.

وتضيف الرواية أنه جرى القبض على الرجلين بالقرب من ضريح الشيخ ماء العينين، بينما تمكن محمد ولد أحمد ولد بكار من مواصلة مسيره نحو أعماق الصحراء، حيث ظل بعيدًا عن قبضة القوات الاستعمارية، وشارك، بحسب ما هو متوارث، في عدد من الوقائع والمعارك الأخرى المرتبطة بالمقاومة الصحراوية للاستعمار.

ولم تكن شخصية محمد ولد أحمد ولد بكار مرتبطة بالشجاعة والإقدام فحسب، بل تصفه الرواية العائلية والشفوية كذلك بأنه كان رجلًا ذا أخلاق رفيعة، شديد التمسك بتعاليم الدين الإسلامي، محافظًا على القيم والأعراف التي نشأ عليها، وهي صفات جعلت سيرته حاضرة لدى أبنائه وأحفاده وعدد من العارفين بتاريخ المنطقة.

غير أن جانبًا مهمًا من هذه السيرة ظل، حسب المتداول، حبيس الذاكرة الشفوية، محفوظًا لدى الخاصة والعامة، ولم يحظ بما يستحقه من التدوين والبحث التاريخي. وهو ما يطرح من جديد أهمية جمع الروايات المحلية والاستماع إلى شهادات الأسر والقبائل والمهتمين، ومقارنتها بالوثائق والأرشيفات المتوفرة، حتى لا تضيع صفحات من تاريخ المقاومة بفعل مرور الزمن ورحيل حَمَلة الذاكرة.

وقد أدركت المنية المجاهد محمد ولد أحمد ولد بكار سنة 1973، بعد حياة امتدت، وفق الرواية المتداولة، لنحو ثمانين عامًا، تاركًا وراءه إرثًا من الحكايات والبطولات والمآثر، فضلًا عن إرث أدبي وتاريخي تتناقله أسرته وأحفاده، الذين يعيش عدد منهم اليوم في المغرب وإسبانيا وفرنسا، وبينهم أطر وكفاءات في مجالات مختلفة.

إن استحضار سيرة محمد ولد أحمد ولد بكار ليس مجرد استعادة لاسم من الماضي، وإنما هو دعوة إلى إنصاف الذاكرة المحلية للمقاومة الصحراوية، وفتح المجال أمام البحث العلمي والتاريخي لتوثيق مسارات الرجال الذين قاوموا الاستعمار، بعيدًا عن النسيان أو المبالغة، وبالاستناد إلى الرواية الشفوية والوثيقة التاريخية معًا.

فالتاريخ لا يكتمل إلا بتعدد رواياته، ولا تحفظ ذاكرة الشعوب إلا حين تجد من يجمعها ويدققها ويوثقها للأجيال القادمة.

للتاريخ من يحكيه… وللذاكرة رجالها الذين يستحقون أن تُروى سيرهم.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...