
الداخلة تيفي – يوسف قرقاب
لم تعد الثمانينات مجرد مرحلة من الماضي تظهر في صور الآباء وأشرطة الفيديو القديمة؛ فقد أعاد الذكاء الاصطناعي فتح بابها أمام جيل لم يعشها أصلاً. وعلى منصات التواصل الاجتماعي، انتشر تراند «صورك في الثمانينات»، حيث يكفي أن يضع المستخدم صورته أمام إحدى أدوات توليد الصور، ليحصل على نسخة متخيلة منه بملامح ذلك الزمن، بملابس وتسريحات وديكورات وأجواء تبدو وكأنها خرجت من ألبوم عائلي عمره أربعة عقود. وهكذا، تحولت الصورة الحديثة في ثوانٍ إلى رحلة افتراضية نحو زمن لم يكن صاحبها حاضراً فيه.
اللافت في هذا التراند أن الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بتغيير الألوان أو إضافة تأثير «قديم» إلى الصورة، وإنما يعيد بناء المشهد بأكمله. الوجه يبقى نقطة الانطلاق، بينما تتغير الملابس والخلفيات والإضاءة وطريقة الوقوف وحتى التفاصيل الصغيرة التي تمنح الصورة إحساساً بزمن آخر. والنتيجة ليست بالضرورة صورة تاريخية حقيقية، بل نسخة متخيلة من الماضي، تبدو مقنعة إلى درجة تجعل المشاهد للحظات يتساءل: هل هذه فعلاً صورة قديمة أم صورة ولدت اليوم؟
وربما تكمن قوة التراند في هذه المساحة تحديداً: الرغبة في امتلاك ماضٍ لم نعشه. البعض يستعيد من خلاله أجواء طفولته أو شباب والديه، والبعض الآخر يكتشف كيف كان يمكن أن يبدو لو وُلد في زمن مختلف. ومع سهولة مشاركة الصور وإعادة إنتاجها، تحولت الفكرة من تجربة فردية إلى موجة جماعية، حيث أصبح كل مستخدم قادراً على صناعة نسخته الخاصة من الثمانينات، ثم مشاركتها مع الآخرين في سباق بصري يجمع بين النوستالجيا والفضول والتسلية.
لكن خلف هذه الصور الجذابة، توجد مسألة لا تحظى بالقدر نفسه من الاهتمام: ماذا يحدث لصورتنا عندما نضعها بين يدي الذكاء الاصطناعي؟ فصورة الوجه ليست مجرد لقطة عابرة؛ إنها معلومة مرتبطة بهوية صاحبها، ولذلك فإن تحميلها إلى منصات مختلفة يستدعي الانتباه إلى سياسات الخصوصية وطريقة تخزين الصور واستخدامها. وبينما يبدو التراند بسيطاً وممتعاً، فإن انتشار ثقافة مشاركة صور الوجوه مع أدوات الذكاء الاصطناعي يفتح نقاشاً أوسع حول الحدود التي ينبغي أن نضعها بين الترفيه الرقمي وحماية بياناتنا الشخصية.
وفي النهاية، قد يكون أكثر ما يثير في «صورك في الثمانينات» ليس شكل الملابس ولا تسريحات الشعر، وإنما الفكرة التي يقترحها التراند نفسه: لم تعد التكنولوجيا تكتفي بتوثيق حياتنا، بل أصبحت قادرة على اختراع حياة بديلة لنا. صورة واحدة تكفي كي نتخيل أنفسنا في شارع لم نسكنه، أو أمام كاميرا لم تكن موجودة، أو في زمن لم نولد فيه. وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة لتعديل الصور إلى آلة لصناعة الاحتمالات؛ يصنع لنا ماضياً افتراضياً، ثم يتركنا نتساءل أين تنتهي الذكرى وتبدأ الحكاية التي اخترعتها الآلة.


