رأي الداخلة تيفي…حين انقلبت الخريطة السياسية بالداخلة وأصبح صديق الأمس خصم اليوم

الداخلة تيفي

لم تعد الساحة السياسية بجهة الداخلة وادي الذهب تشبه ما كانت عليه قبل أسابيع قليلة فالمشهد الذي كان يبدو مستقرا إلى حد ما بدأ يعرف تحولات متسارعة أعادت خلط الأوراق ودفعت بالعديد من الفاعلين السياسيين إلى إعادة حساباتهم من جديد

التحاقات جديدة بهذا الحزب ومغادرات من ذاك ووجوه كانت إلى الأمس القريب تجلس في الصفوف الأمامية إلى جانب قيادات حزبية أصبحت اليوم في مواقع سياسية مغايرة تماما وخصوم الأمس يتحولون إلى حلفاء وأصدقاء الأمس يجدون أنفسهم في مواجهة سياسية مباشرة

إنها السياسة حين تدخل مرحلة الاستحقاقات الكبرى حيث لا شيء يبقى ثابتا وحيث يمكن لتحالف عمره سنوات أن ينتهي في ليلة واحدة ويمكن لخصومة طويلة أن تتحول فجأة إلى تنسيق سياسي تفرضه الحسابات الجديدة

ما يحدث اليوم في جهة الداخلة وادي الذهب لا يمكن قراءته فقط من زاوية الالتحاقات الحزبية أو تغيير الانتماءات السياسية بل يبدو أقرب إلى عملية إعادة ترتيب واسعة للمشهد السياسي المحلي فبعض الأحزاب فقدت خلال فترة قصيرة عددا من الوجوه والمنتخبين والفعاليات التي كانت تشكل جزءا من صورتها وقوتها التنظيمية بينما اختارت شخصيات أخرى الانتقال إلى مواقع سياسية جديدة استعدادا لما هو قادم

واللافت أن هذه التحولات لم تقتصر على تغيير لون حزبي بآخر بل مست في بعض الحالات البنية السياسية نفسها فهناك أحزاب تبدو وكأنها لم تعد هي الأحزاب التي عرفها المتابعون خلال السنوات الماضية بعدما تغيرت تركيبتها ووجوهها وتحالفاتها وخطابها وحتى طبيعة علاقاتها مع باقي الفاعلين

وهنا يطرح السؤال نفسه هل نحن أمام تحولات عابرة فرضتها ظروف الانتخابات أم أمام خريطة سياسية جديدة يجري بناؤها بهدوء استعدادا لما بعد الانتخابات

المؤكد أن السياسة في الداخلة دخلت مرحلة مختلفة تماما فالشخص الذي كان حليفا قويا قد يصبح منافسا مباشرا والشخص الذي كان في الجهة المقابلة قد يصبح شريكا محتملا في مشروع سياسي جديد

وهذا ليس غريبا تماما في السياسة فالتحالفات لا تبنى دائما على الصداقة والخصومات لا تستمر دائما إلى الأبد لكن ما يجعل المرحلة الحالية مختلفة هو سرعة التحولات وحجمها وتزامنها مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية

لقد أصبح واضحا أن كثيرا من الفاعلين السياسيين لم يعودوا ينظرون فقط إلى الانتخابات المقبلة باعتبارها محطة منفصلة بل باعتبارها بداية لمسار سياسي طويل قد يعيد تشكيل موازين القوى داخل المجالس المنتخبة وفي الجهة والأقاليم والجماعات

ولهذا فإن ما يحدث اليوم قد تكون له انعكاسات تتجاوز صناديق الاقتراع نفسها فمن يفوز بموقع متقدم في الانتخابات التشريعية لن يكون بالضرورة منشغلا فقط بمقعد البرلمان بل سيضع في حساباته أيضا ما سيأتي بعد ذلك من انتخابات المجالس الترابية والتحالفات التي ستفرضها نتائج الانتخابات المقبلة

ومن هنا يمكن فهم جزء من الحركية الحالية فكل طرف يحاول ترتيب أوراقه وبناء شبكة علاقاته والاستعداد لمرحلة سياسية جديدة قد تكون مختلفة عن كل ما سبقها

لكن وسط كل هذه التحولات يبرز مشهد آخر يستحق التوقف عنده وهو استمرار بعض التنظيمات السياسية في الحفاظ على مسارها دون الدخول بشكل كبير في ضجيج الانتقالات والردود والمزايدات

وفي مقدمة الأحزاب التي تبدو إلى حدود اللحظة أكثر محافظة على مسارها حزب التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية حيث يواصل الحزبان تحركهما السياسي والتنظيمي بهدوء بعيدا عن كثير من الضجيج الذي يرافق التحولات الحالية

وقد يكون العمل في صمت جزءا من استراتيجية سياسية تقوم على بناء التنظيم والتحرك الميداني وانتظار اللحظة المناسبة للكشف عن الأوراق فالهدوء السياسي لا يعني بالضرورة غياب الحركة بل قد يعني أحيانا أن كثيرا من التحركات لا يتم الإعلان عنها إلا عندما تصبح جاهزة

وهذا ما يجعل المتابع للمشهد أمام سؤال آخر هل الهدوء الذي يطبع تحرك بعض الأحزاب هو مجرد هدوء تنظيمي أم أنه استعداد لمرحلة انتخابية قد تحمل مفاجآت

في السياسة لا يمكن الجزم قبل ظهور النتائج لكن يمكن قراءة المؤشرات والمؤشر الأبرز اليوم هو أن جهة الداخلة وادي الذهب تعيش مرحلة إعادة تموقع سياسي واسعة

فالأحزاب لم تعد تتحرك وفق الخريطة التي كانت قائمة قبل سنوات بل إن بعض التنظيمات تغيرت بشكل شبه كامل بينما دخلت وجوه جديدة إلى الواجهة وخرجت وجوه أخرى منها

وقد يكون هذا الأمر صحيا بالنسبة للحياة السياسية إذا كان يعكس تجديدا حقيقيا للنخب وفتحا للمجال أمام الشباب والطاقات الجديدة لكن الخطر يبدأ عندما يصبح تغيير الانتماء الحزبي مجرد وسيلة للوصول إلى موقع انتخابي أو عندما تتحول المبادئ والبرامج إلى مجرد عناوين مؤقتة تتغير بتغير موازين القوى

فالناخب في النهاية لا يبحث فقط عن حزب يرفع شعارا انتخابيا ولا عن مرشح يعرف كيف يدير التحالفات بل يبحث عن مشروع وعن مواقف واضحة وعن شخصيات قادرة على تحمل المسؤولية بعد الانتخابات كما تحملتها قبلها

وهنا تحديدا ستكون المرحلة المقبلة اختبارا حقيقيا لكل الفاعلين فمن السهل الانتقال من حزب إلى حزب ومن السهل إعلان التحالفات ومن السهل أيضا إطلاق الوعود خلال الحملات الانتخابية لكن الأصعب هو الحفاظ على الثقة الشعبية بعد انتهاء الانتخابات

لقد اعتاد الرأي العام أن يرى السياسة من خلال الوجوه والأسماء لكن المرحلة الحالية تفرض النظر أيضا إلى البرامج والقدرة على التدبير وعلى الدفاع عن مصالح الجهة وسكانها

والداخلة اليوم تحتاج إلى نقاش سياسي أكثر عمقا من مجرد سؤال من التحق بمن ومن غادر من فالسؤال الحقيقي هو ماذا سيقدم هؤلاء بعد وصولهم إلى المؤسسات وما الذي تغير في خطابهم وما هي رؤيتهم لمستقبل الجهة وكيف سيحولون الإمكانيات الكبيرة التي تتوفر عليها الداخلة وادي الذهب إلى مشاريع وفرص حقيقية يستفيد منها المواطن

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في صلب النقاش الانتخابي المقبل أما التحالفات والانتقالات فهي جزء من المشهد لكنها ليست المشهد كله

وفي النهاية قد يكون أكبر خطأ يقع فيه بعض السياسيين هو الاعتقاد بأن تغيير الحزب يعني بالضرورة تغيير موقف الناخب فالناخب أصبح أكثر قدرة على المقارنة وأكثر اطلاعا على التفاصيل وأكثر انتباها إلى التحولات السياسية وقد لا يمنح صوته بالضرورة لمن يملك أكبر عدد من التحالفات بل لمن يعتقد أنه يستطيع تمثيله والدفاع عن مصالحه

لقد انقلبت الخريطة السياسية بالداخلة فعلا أو على الأقل بدأت تتغير بشكل واضح صديق الأمس قد يصبح خصم اليوم وخصم الأمس قد يصبح حليف اليوم وحزب كان قويا قد يجد نفسه أمام فراغ تنظيمي ووجوه كانت في الهامش قد تجد نفسها فجأة في قلب المنافسة

لكن كل هذه التحولات ستبقى مؤقتة إلى أن تتحدث صناديق الاقتراع وعندها فقط سيتبين من كان يملك قراءة صحيحة للمشهد ومن بالغ في تقدير قوته ومن ظن أن التحالفات وحدها قادرة على صناعة النتائج

أما الآن فإن المشهد مفتوح على كل الاحتمالات والأيام المقبلة قد تحمل تحولات أخرى وربما أسماء جديدة وتحالفات جديدة وانسحابات جديدة

وفي السياسة لا توجد نهاية للعبة قبل إعلان النتائج لذلك فإن رأي الداخلة تيفي يرى أن ما يحدث اليوم ليس مجرد موسم للانتقالات السياسية بل لحظة لإعادة ترتيب المشهد برمته

والرهان الحقيقي لن يكون على عدد الملتحقين بهذا الحزب أو ذاك بل على من يستطيع بناء الثقة والاستمرار في العمل بعد أن تهدأ عاصفة الانتخابات

فالسياسة ليست فقط أن تصل السياسة أن تعرف لماذا وصلت وماذا ستفعل بعد الوصول ولمن ستعمل عندما تنتهي أصوات الحملات وتبدأ مسؤولية تدبير الشأن العام


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...