
هسبريس – متابعة
يتواصل النقاش في عدد من دول العالم بشأن سبل حماية الأطفال والمراهقين من التأثيرات السلبية لمواقع التواصل الاجتماعي، بعدما اتجهت حكومات إلى تشديد القيود على استخدام هذه المنصات أو رفع السن القانونية للولوج إليها. وفي خضم هذا الجدل، يطرح سؤال حول مدى إمكانية تبني المغرب إجراءات مماثلة، وما قد يترتب عنها من آثار على الأسرة والمجتمع والناشئة.
ويجمع المتدخلون على أن النقاش حول مستقبل استخدام مواقع التواصل الاجتماعي من قبل الأطفال والمراهقين في المغرب لم يعد ترفًا، بل بات مرتبطًا بحماية جيل كامل من تداعيات رقمية تتزايد تعقيدًا يومًا بعد يوم. وبين خيار التشديد القانوني والدعوة إلى تعزيز التربية الرقمية، يظل الهدف المشترك هو ضمان استفادة الناشئة من مزايا التكنولوجيا الحديثة، مع الحد من مخاطرها النفسية والاجتماعية والتربوية.
وترى بشرى المرابطي، الأخصائية النفسية والباحثة في علم النفس الاجتماعي، أن الدراسات العلمية المنجزة على الصعيد الدولي تكاد تُجمع على وجود آثار سلبية متعددة لمواقع التواصل الاجتماعي على الأطفال والمراهقين، سواء على المستوى النفسي أو المعرفي أو الاجتماعي.
وأوضحت المرابطي، في تصريح لهسبريس، أن هذه المنصات تؤثر في مختلف الوظائف النفسية والعقلية والذهنية للناشئة، وهو ما دفع عددًا من الدول إلى اعتماد إجراءات تنظيمية صارمة تشمل تحديد السن الأدنى لاستعمال مواقع التواصل الاجتماعي، وتقنين مدة الاستخدام، فضلًا عن فرض غرامات على الشركات التي تستهدف الأطفال والمراهقين بالإعلانات.
وأضافت المتحدثة ذاتها أن المغرب مطالب بدوره بالإسراع في وضع إطار قانوني وتنظيمي يضبط استخدام هذه المنصات من قبل الأطفال والمراهقين، معتبرة أن هذا التوجه من شأنه تحقيق مكاسب مهمة على مستوى حماية الصحة النفسية لهذه الفئة العمرية، وتعزيز الاستقرار الأسري، والحد من بعض السلوكيات المرتبطة بالإدمان الرقمي.
وسجلت الباحثة في علم النفس الاجتماعي أن منصات مثل TikTok أصبحت تعتمد بشكل كبير على المحتويات التي يقدمها الأطفال والمراهقون، بالنظر إلى قدرتها على جذب نسب مرتفعة من المشاهدة والتفاعل، وهو ما دفع بعض الأسر إلى توظيف أبنائها في إنتاج المحتوى سعيًا وراء الأرباح والمداخيل المالية.
وأكدت المرابطي أن المستفيد الأكبر من تقنين استعمال هذه المنصات سيكون الأطفال والمراهقون أنفسهم، إلى جانب الأسر والمجتمع والدولة، مشددة على ضرورة توفير حماية أكبر للفئات الهشة التي قد تكون أكثر عرضة للاستغلال أو التأثر بالمضامين غير الملائمة.
في المقابل، يرى عادل الحساني، المختص في علم النفس الاجتماعي، أن مقاربة المنع الشامل قد لا تكون الخيار الأنسب في السياق المغربي، رغم تفهمه للدوافع التي جعلت بعض الدول الأوروبية تتجه نحو تقييد استخدام مواقع التواصل الاجتماعي من قبل المراهقين.
وأوضح الحساني، في تصريح لهسبريس، أن البيئة الاجتماعية المغربية ما تزال تتميز بحضور الأسرة ودورها الرقابي والتوجيهي، معتبرًا أن الأولوية ينبغي أن تُمنح لتعزيز التربية الرقمية وتنمية التفكير النقدي لدى الأطفال والمراهقين، بدل الاقتصار على المقاربة القانونية والزجرية.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن الرهان الحقيقي يتمثل في تمكين الناشئة من أدوات الاختيار الواعي للمحتويات التي يستهلكونها، وتدريبهم على التعامل النقدي مع ما يُعرض عليهم عبر المنصات الرقمية، بما يساهم في الحد من التأثيرات السلبية دون اللجوء إلى المنع المطلق.
كما استدل الحساني بتجارب سابقة أظهرت، بحسبه، أهمية الوعي المجتمعي في مواجهة بعض الظواهر السلبية المرتبطة بالفضاء الرقمي، موضحًا أن التفاعل المجتمعي والتبليغ عن المحتويات الضارة ساهما في الحد من عدد من السلوكيات الخطيرة التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
واعتبر أن سن القوانين وحده لا يكفي لمعالجة الإشكال، خاصة في ظل وجود نصوص قانونية أخرى تواجه صعوبات على مستوى التطبيق، داعيًا إلى تبني مقاربة تربوية متوازنة تجمع بين التوعية الأسرية والمدرسية والإعلامية، وبين الضوابط القانونية الضرورية.


