كسابة الداخلة…بين جفاف لسنوات وطويلة وخيانة النخبة السياسية بالجهة وانعدام أي تخدل من الجهات الرسمية
لم تعد معاناة الكساب بجهة الداخلة مجرد أزمة عابرة ترتبط بموسم فلاحي سيئ أو سنة جافة، بل تحولت إلى واقع مرير ومستمر يعكس حجم الإهمال الذي يطال هذه الفئة التي شكلت لسنوات طويلة العمود الفقري للاقتصاد المحلي. فبين الجفاف القاسي، وزحف الجراد، وغياب أي دعم حقيقي، يجد الكساب نفسه وحيداً في مواجهة مصير مجهول، دون أدنى تدخل جدي من الجهات المسؤولة.
سنوات الجفاف المتتالية أنهكت المراعي وقضت على الكلأ، لتتحول الأراضي التي كانت يوماً مصدر حياة إلى مساحات قاحلة لا تصلح حتى لمرور القطيع. ومع كل موسم شحيح، تتضاعف الخسائر، وتذبل آمال الكسابين الذين يترقبون دعماً لا يأتي، أو قرارات لا تُنفذ إلا على الورق.
وما يزيد الطين بلة، هو اجتياح الجراد الذي يلتهم ما تبقى من الغطاء النباتي، في مشهد كارثي يتكرر وسط صمت غير مفهوم. أين هي خطط التدخل؟ أين هي الاستراتيجيات الاستباقية؟ أم أن الكساب في هذه الجهة خارج حسابات المسؤولين؟
لكن الكارثة الأكبر لا تقف عند هذا الحد، بل تتجلى بوضوح مع كل موسم أمطار، حين تتدفق أعداد هائلة من المواشي القادمة من خارج الجهة، في غياب تام لأي تنظيم أو مراقبة. هذا الوضع يشكل ضغطاً رهيباً على المراعي المحدودة أصلاً، ويؤدي إلى استنزافها بشكل سريع، فيتحول الأمل الذي تحمله الأمطار إلى نقمة جديدة تزيد من معاناة الكساب المحلي.
هذا المشهد يتكرر لسنوات، أمام أعين الجميع، دون أن تتحرك الجهات الوصية لوضع حد لهذه الفوضى. فلا قوانين تُفعل، ولا إجراءات تُطبق، ولا إرادة سياسية تُلمس. وهو ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول دور المنتخبين والغرف المهنية، الذين اختاروا الصمت أو الاكتفاء بالشعارات، في وقت يحتاج فيه الكساب إلى مواقف حقيقية لا إلى خطابات موسمية.
إن ما يعيشه الكساب بجهة الداخلة اليوم ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لسياسات غائبة وتدبير عشوائي ولامبالاة مقلقة. فحين يُترك هذا القطاع الحيوي لمواجهة مصيره، فإننا لا نخسر فقط الثروة الحيوانية، بل نهدد توازناً اقتصادياً واجتماعياً كاملاً.
لقد آن الأوان لكسر هذا الصمت، ووضع حد لهذا العبث، عبر تدخل عاجل ومسؤول يعيد الاعتبار للكساب، ويحمي المراعي، وينظم حركة القطعان، ويضمن دعماً حقيقياً يصل إلى مستحقيه. لأن استمرار الوضع على ما هو عليه لم يعد مجرد تقصير، بل أصبح شكلاً من أشكال التخلي الصريح عن فئة تستحق الإنصاف لا التهميش


