في ظل تزايد الطلب على الموارد المائية وتراجع كمياتها في مناطق عديدة من المغرب، برز مشروع تحلية مياه البحر في مدينة الداخلة كحل استراتيجي لتوفير الماء الشروب لسكان المدينة، التي تشهد تطوراً عمرانياً واقتصادياً ملحوظاً. يُعد هذا المشروع جزءاً من رؤية تنموية تهدف إلى تعزيز الأمن المائي وتلبية احتياجات السكان والقطاعات الفلاحية والاقتصادية، خصوصاً في منطقة تعاني من مناخ جاف ومحدودية كبيرة في الموارد المائية الجوفية.
تحلية مياه البحر، التقنية التي تعتمد على إزالة الأملاح والمعادن لتحويل المياه المالحة إلى صالحة للشرب، توفر حلاً مستداماً في مواجهة التغيرات المناخية وشح الموارد التقليدية، المشروع لا يقتصر على تزويد المنازل بالماء الشروب فقط، بل يُعد دعامة مهمة لقطاعات مثل الزراعة والصيد البحري التي تعتمد على المياه بشكل مباشر.
رغم الفوائد الواضحة للمشروع، إلا أنه يثير مخاوف متزايدة على المستويين الصحي والبيئي. أولاً، جودة المياه المنتجة تعتمد بشكل كبير على كفاءة عملية التحلية، فأي تقصير في المعالجة قد يؤدي إلى بقاء بعض الملوثات أو المواد الكيميائية المستخدمة في العملية داخل المياه، مما قد يشكل خطراً على صحة المستهلكين. ثانياً، التخلص من المحلول الملحي الناتج عن التحلية يشكل تحدياً بيئياً، حيث يؤدي إلى زيادة ملوحة المياه البحرية المحيطة، مما قد يؤثر سلباً على الحياة البحرية والنظام البيئي.
في هذا السياق، تشير تجارب دول أخرى إلى مشاكل واجهها المستهلكون نتيجة مشاريع تحلية مياه البحر،ففي جنوب أستراليا، تعرضت محطة تحلية “أديلايد” لانتقادات بسبب ارتفاع مستويات الكلور والأملاح المتبقية في المياه، مما أدى إلى شكاوى من المستهلكين بخصوص الطعم غير المستساغ واحتمالية تأثيرها على الصحة، وفي السعودية، واجهت بعض محطات التحلية القديمة مشكلات تتعلق باستخدام مواد كيميائية مفرطة، مما أثار مخاوف حول جودة المياه وسلامتها على المدى الطويل. أما في الهند، فقد تسببت محطات التحلية على الساحل الشرقي في زيادة معدلات ملوحة الأراضي الزراعية القريبة نتيجة التصريف غير المنظم للمحلول الملحي، مما أثر سلباً على الزراعة وصحة السكان المحليين.
تجارب دول مثل الإمارات وإسبانيا التي تعتمد بشكل كبير على تحلية المياه، أثبتت إمكانية التقليل من هذه المخاطر من خلال استخدام تقنيات متقدمة لإدارة المحلول الملحي وإعادة استخدامه، بالإضافة إلى الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة لتقليل البصمة الكربونية.
في مدينة الداخلة، نجاح المشروع يتطلب نهجاً شاملاً يأخذ بعين الاعتبار الأبعاد التقنية، الصحية، والبيئية،ومن الضروري اعتماد تقنيات تقلل من استهلاك الطاقة وتوفر حلولاً مبتكرة لإدارة النفايات الملحية، مع إجراء مراقبة دورية لجودة المياه لضمان سلامتها للسكان.
تحلية مياه البحر في الداخلة هي خطوة طموحة لمواجهة تحديات شح المياه، لكنها تتطلب إدارة واعية ومتوازنة بين تحقيق التنمية وحماية البيئة، لضمان تحقيق أهداف المشروع دون المساس بصحة المواطنين أو النظم البيئية البحرية.


