في تطور مثير هزّ الرأي العام المهني بقطاع الصيد البحري، عاد مركب الصيد الساحلي “لاكلونتين” إلى الواجهة بعدما اختفى بشكل مفاجئ من ميناء أكادير، ليظهر لاحقاً في جزيرة لانزاروت بجزر الكناري وعلى متنه 14 بحاراً مغربياً تقدّموا بطلبات لجوء لدى السلطات الإسبانية، في واقعة غير مسبوقة أثارت الكثير من الجدل والأسئلة حول الخلفيات والدوافع، وكذا حول منظومة الرقابة البحرية بالمغرب.
المركب، الذي كان يشتغل بترخيص قانوني في مصايد الجنوب، غادر الميناء دون إذن أو تصريح معروف، ما دفع مجهزه إلى التقدم بشكاية رسمية يتهم فيها الطاقم البحري بـ”خيانة الأمانة” و”الاستيلاء غير المشروع على وسيلة إنتاج”، وهي تهم ثقيلة قد تجرّ البحارة نحو المتابعة القضائية.
وبمجرد وصول المركب إلى ميناء لانزاروت، بادرت السلطات الإسبانية إلى التحفّظ عليه، في حين أطلق الطاقم طلبات لجوء بدعوى “الوضع الاجتماعي والمهني الصعب”، وهي مبررات سرعان ما أثارت الشكوك، خاصة أن القانون الإسباني لا يعترف بطلبات لجوء في حال وجود شكاوى جنائية من الدولة الأصل، خصوصاً إذا تعلّق الأمر بسرقة أو اختطاف وسيلة بحرية مرخصة.
الواقعة أثارت ردود فعل قوية داخل الأوساط المهنية المغربية، حيث عبّر عدد من مهنيي الصيد عن مخاوفهم من أن تتحوّل مثل هذه الحوادث إلى سوابق خطيرة تُهدد سمعة القطاع، وتحوّل مراكب الصيد إلى وسائل للهجرة غير النظامية تحت غطاء “العمل المهني”. وذهب بعضهم إلى اعتبار ما جرى “تحايلاً مكشوفاً” واستغلالاً فجاً لمراكب العمل من أجل تحقيق مآرب لا تمتّ بصلة للقطاع.
كما نبّهت أصوات مهنية إلى خطورة استغلال بعض البحارة وضعية التراخي في المراقبة ببعض الموانئ، مشيرة إلى أن ما جرى يطرح أسئلة حقيقية حول مسؤولية الجهات المينائية، وتنسيقها مع سلطات المراقبة البحرية، خاصة في ما يتعلق بمراقبة تحركات المراكب وخروجها من الموانئ.
من جهتها، تتابع الجهات القضائية في المغرب هذا الملف بجدية، مع حديث عن إمكانية إصدار مذكرات بحث دولية بحق المتورطين، خصوصاً إذا ثبت تورطهم في فعل إجرامي واضح، كما يُنتظر أن تفتح وزارة الصيد البحري تحقيقاً داخلياً للوقوف على مكامن الخلل التي سمحت بحدوث هذا الانفلات.
وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات، تبقى قضية “لاكلونتين” جرس إنذار قوي يُحذر من تحول قطاع الصيد البحري إلى منفذ جديد للهجرة غير النظامية، ومن التراخي في ضبط حركة المراكب والرقابة على البحارة، وهو ما يهدد ليس فقط الاقتصاد البحري، بل سمعة المغرب في الخارج، في وقت تُراهن فيه البلاد على تنمية الأقاليم الجنوبية وتعزيز موقعها البحري الاستراتيجي.
إن ما حدث ليس حادثاً معزولاً، بل مؤشر على حاجة مستعجلة لإعادة ترتيب أوراق المراقبة والضبط في الموانئ، ومساءلة كل من تهاون أو تساهل، لأن أمن البحر ليس أقل من أمن البر، ولأن المركب الذي يبحر في غفلة من الدولة، قد يعود حاملاً تداعيات لا يُستهان بها


