لا تزال تداعيات الحريق الذي اندلع بالمستشفى الجهوي الحسن الثاني بالداخلة ترخي بظلالها على المشهد المحلي، ليس فقط بسبب حجم الضرر الذي خلفه، بل أيضا بفعل التباسات وتناقضات التصريحات التي صدرت لاحقا عن إحدى المصحات الخاصة التي استقبلت عددا من الأطفال المرضى الذين تم نقلهم في ظروف استعجالية، فبينما كانت الواقعة في جوهرها إنسانية بامتياز، تحوّلت تدريجيا إلى مادة سجالية، خاصة بعد خروج فاعلة جمعوية بتصريح عبر مقطع فيديو حول تكفل احد الفاعلين السياسيين بالجهة بمصاريف علاج المرضى داخل المصحة و إصدار مصحة “أكديطال الداخلة” بيانا رسميا حول الواقعة والذي أثار جدلا واسعا.
البيان الصادر بتاريخ 25 يوليوز 2025، تحدث عن “تدخل إنساني وتلقائي” من طرف المصحة لاستقبال الحالات القادمة من المستشفى المحترق، قبل أن يؤكد أن الأمر تم “بناء على تعليمات رئيس مجلس جهة الداخلة وادي الذهب”، في تناقض واضح بين “التلقائية” و”القرار السياسي”، كما أوضح البيان أن “جميع مصاريف الاستشفاء والتكفل قد تم تسديدها من طرف الجهة”، ما أوحى للرأي العام بأن المرضى لم يتكبدوا أي مصاريف، وأن العملية تمّت في إطار مؤسساتي منظم.
غير أن هذه الرواية سرعان ما تقوضت بفعل ظهور ذات الفاعلة الجمعوية في شريط فيديو تؤكد فيه أن احد الفاعلين السياسيين والاقتصاديين بالجهة هو من دفع مبلغ فواتير استشفاء عدد من الأطفال الخُدّج الذين نُقلوا إلى المصحة. ولم تكتفِ بذلك، بل نشرت صورا لوصولات الأداء التي تحمل اسم المصحة وتاريخ العملية هذا المعطى، الذي تناقض بشكل مباشر مع ما جاء في البيان الرسمي، أثار موجة من التساؤلات والغضب، خاصة في صفوف الرأي العام المحلي، وأحرج المصحة أمام متابعيها.
وما زاد الوضع تعقيدا هو أن بيان المصحة، الذي وصفه البعض بداية بأنه “مفبرك”، تبيّن لاحقًا أنه حقيقي بعد أن أكد مصدر من الإدارة العامة لمجموعة “أكديطال” صحته للجريدة، بدل أن يخفف هذا التوضيح من حدة الجدل، زاد من ارتباك الخطاب الرسمي للمؤسسة، خاصة بعدما صرّحت الفاعلة الجمعوية بأن المسؤولة المالية بالمصحة تواصلت معها لاحقًا، تطالبها بإرجاع الفواتير، بهدف – كما قيل لها – استرجاع المبالغ التي دفعتها للمصحة وذكرت أن هذا الضغط سبب لها مشاكل مهنية لا تزال قائمة، وهو ما يطرح علامات استفهام حول حجم الحرج الذي شعرت به المؤسسة بعد ظهور الحقائق.
وفي تطور أخير، كشف مصدر خاص للجريدة أن إدارة المصحة أصدرت تعليمات صارمة لكافة العاملين لديها بعدم الإدلاء بأي تصريحات للصحافة أو تقديم معطيات حول ما جرى، رغم أن الصحافة الجهوية لم تكن طرفا في التأجيج، بل اكتفت بتتبع الموضوع ميدانيًا دون الدخول في السجال السياسي.
في المحصلة، يجد الرأي العام نفسه أمام روايتين متناقضتين، بيان رسمي يحمل صبغة إنسانية ومؤسساتية، وشهادة ميدانية مدعومة بالوثائق تكشف أن التكفل لم يكن كليا كما قيل، وبين هذا وذاك، يظل السؤال مفتوحا من يتحمل مسؤولية هذا التناقض؟ ولماذا يتم توجيه الصمت بدل كشف الحقائق؟ في الأزمات، لا تكفي البلاغات الناعمة، بل تحتاج المجتمعات إلى شفافية كاملة تحترم ذكاء المواطن وتُعلي من قيمة الصدق فوق الحسابات.


