العيون – جسدٌ بلا روح.. بقلم : لمانة الكنتي

الداخلة تيفي : لمانة الكنتي

عادةً ما كنتُ أشتاق لزقاق هاته المدينة في كل مرة أغادرها و لو بكيلومتر واحد فقط، كانت لهفتي لزقاقنا الصغير أكبر من حجم المدينة..! المدرسة الحجرية و الشارع الذي آنتظرنا بلاطه و تزفيته لسنوات عديدة..! و كنت كلما اوجعني الحنين في بلاد غريبة تذكرتُ جزء من قصة جميلة بالحي..

كنتُ أشتاقُ لموعد ليلي، ربما على الساعة الرابعة ليلاً أو الخامسة، فالتوقيت لا يهم لأنني كنت أعرف أنتي سأجد في طريقي إلى وجهتي الذاهبين إلى عملهم و المستيقظين لصلاة الفجر أو حتى سكارى من وجع الحياة لكن كنت أعرف أن طريقي ستظلُ أمنةً حتى ولو في جنح الظلام..!

كان أكبر همنا مبارة ممتعة في أم السعد، حيث يلتقي التاجر و الجندي و الشرطي و العامل و الدكتور و المهندس و العاملة و حتى المجانين، وكانت قصص حب تولد من رحم ساحة المشو ر فجراً.. كان الليلُ في مدينتي أجمل من النهار، وكان النهار ظل العاملين و أمانهم الدائم، كنت في سنوات الثانوية أمر بأصحابي ليلاً و لا نعود حتى يطل علينا الصباح، لم نُختطف، لم نسرق يوما و لم يعترض طريقنا سوى من يسألنا عن عود ثقاب أو سيجارة.. كم جلسنا على صفيح المدينة و قلنا “ما أجمل الليل في عيون عيونك “..

كلما كبرت، كبرت المدينة و آستوطن الغرباء ساحتنا الجميلة، و توفي شيوخُ العصر الذين طالما آجتمعوا في زاوية الزقاق كي يحرمونا من إستغلال “الگراج” كي نجعله شباك لمباراتنا..! كلما كبرت كبر الخوف من أن تصير الساحة الصغيرة وكر دعارة مفتوح.. كبرت ووقفتُ آحتجاجاً خوفاً على زقاقنا الجميل، و الشارع الطويل و على الطفل الذي كبر وساء حاله، على صديقي الذي أصبح مختلاً عقلياً، و على تضييق الحرية..!

كنت كالأم التي تخشى ضياع آبنها في حادث عرضي، إن الأم لتبكي حين تفقد إبناً لها، ونحن نبكي حين يفتد الوطن.. مات اللهفة، و آستوطن الخوف مكانها، و أصبحت مدينتي جزءا من جسد غريب، تدريجيا لتصبح الغريب في حد ذاته..! الزقاق لا يعجبني الأن، و الساحة الجميلة حتى و إن زينت لا تغريني، أما الشارع الطويل فقد أصبح أشبه بنفقٍ من الذعر أخشى النظر إليه.. و أخشى النظر إلى وجوه أصبحت منعدمة..

و أسأل نفسي في كل مرةٍ أجلس على جنبات المقهى الذي أصبح ملاذي الأخير، هل هاته مدينتي أم أنني أخطأ العنوان في كل مرة.. هل هذا الرصيف لي ؟ أجلس منافياً لقصيدة محمود درويش، و أقول ” الفراشات ماتت، لم تعد هناك فراشات، و لا الربيع أصبح ربيعاً، و لا المطر عاد يزور أرضنا النقية” ينظرُ الماضي إلى و يقول ” الأرض النقية؟” لقد آتسخت يا بني، و ماعاد فيها سوى أضغاث أحلام، إنها أرضك، وطنك، زقاقك، لكنه بلا روح.. رحمةُ الله على الوطن..


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...