الداخلة تيفي : رياء خطاط
نقف اليوم على أعتاب فصل جديد من فصول اللغة، فصل أصبح الاختلاف فيه سيد الموقف. فبين مؤيد لاعتماد اللغات الأجنبية في تدريس المواد العلمية وبين رافض لذاك متمسك بضرورة الحفاظ على التدريس باللغة العربية حتى وان كانت نتائج ذلك غير مرضية.
اولا، أحب ان اشير الى انني لم اجد لهذا الموضوع الحيوي في صفوف المعنيين به -واعني بذلك التلاميذ- اي صدى او اهتمام، وهو ما يحيل الى خلل كبير في المنظومة التعليمية. اذ ان ذلك يدل على عدم اهتمام الطالب بشكل او بآخر بما سيدرس اي بمعنى انه غير مقتنع بجودة التعليم ولا بقدرته على افادته. هنا يجب ان نقف وان نتأمل الحالة المزرية التي وصل اليها التعليم والمتعلم معا.
ثانيا، وفي ما يخص اللغة العربية التي هي في غنى عنا وعن ارائنا، فإنها لا تحتاج وهي المرمية على رفوف الامبالاة ان تقام حولها هذه الضجة المزعومة لكننا تعودنا ان نعطي قيمة لما فقدناه فقدناه.
ها هي انظمة التعليم منذ عقود لا تدرس الا باللغة العربية ورغم ذلك تصنف من بين اقل المواد قيمة عند طلابها لا بل تعتبر سمة للطلاب الاقل ذكاءا وتشهد على ذلك صفوف التوجيه.
اللغة العربية، ذلك الصرح الفخم جدا والشامخ جدا والمتعالي جدا قد اهملت دهرا طويلا، ودعوني وان كان المقام لا يسمح لضيقه بان اذكر قليلا من مناقبها.
هي لغة القرآن التي يقول عنها رب العزة والجلال { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِين}
و التي يقول على لسانها الشاعر حافظ ابراهيم:
وسعت كتاب الله لفظا وغاية*** وما ضقت عن اي به وصفاة
اللغة البحر التي لا ساحل لها. منهج التواصل الأرقى واللسان الافصح والشعر الأزجل، لغة التراكيب والتشبيهات والاستعارات الابلغ مطلقا. واللغة التي كتبت بها اولى المؤلفات العلمية طبا وفيزياءا وفلكا الخ.
لكن هل يا ترى يدرك هذا الجيل الذي يدافع اغلبه عن العربية اهميتها وقيمتها ام انه سير مع التيار فحسب و حمية دون فهم؟؟ ترى كم من عالم عربي يعرفه شبابنا اليوم وقد درس بمنهاج اللغة العربية؟ من يعرف العالم العربي المسلم الذي اخترع الحقنة؟ ومن يعرف العالمة الفلكية التي اخترعت الاسطرلاب ومن يعرف الطبيب الاول الذي اجرى عملية جراحية ومن ومن ومن…
ان من يتحدث بلسان العربية لابد ان يعرف تاريخ العربية وان يتقنها ويتكلم بها بطلاقة، وعار ان لا يفعل وخصوصا ان كان قد درس بها وهو تماما ما يحدث اليوم.
ان ذنب الانسلاخ من الهوية ليس بان تدرس المواد العلمية باللغات الاجنبية ولكن سببه المباشر هو ضعف نظام التعليم واستدلاله على ما خف من تاريخنا ومعارفنا.
واعلم عزيزي القارئ اننا اليوم كي نتعلم تاريخ العربية لابد ان ندرسه على ايدي اجانب بلغتهم هم، لان الفجوة التاريخية الي وقعنا فيها سببت لنا تأخرا في السير مع الركب.
ان الهوة التي حفرت لاغتيال تاريخنا لم يكن الغرب سببها الاول، بل نحن من فرطنا فيه وها نحن اليوم ندفع الثمن. لا يلام في هذا الامر الا نحن ببرامجنا التعليمية الفقيرة من كل ما قد يستنهض هممنا، اضف الى ذلك لا مبالاتنا بالعلم والعلماء وانغلاقنا على تعلم الخدمات الأولية التي يكون الهدف منها استهلاكيا فقط دون بذل مجهود للإنتاج.
تعلم المواد العلمية بلغات اجنبية ضرورة حتمية مكرهون نحن على تقبلها وان كان على مضض، كيف لا وجميع الابحاث الرائدة باللغة الإنجليزية دون منافس، كيف لا ومحتوى محرك البحث جوجل اكثر من ثلثيه باللغة الإنجليزية، كيف لا وجل المحاضرات اليوم باللغة الإنجليزية لان جميع المفاهيم العلمية والمفردات التقنية بهذه اللغة.
و نحن وان اذعنا لفكرة تدريس المواد العلمية باللغات الاجنبية فذلك لان واقع رفضه ليس الا تعنتا دون حجة. ولا تعني ابدا دراسة ثلاثة مواد او اربع باللغات الاجنبية ان ننسلخ من هويتنا بل ربما يعني ذلك اننا بدأنا نسير على الدرب الصحيح في اعادة هيبة اللغة العربية.
وستعود اللغة العربية الى مكانتها لكن الى ذلك الحين لابد لنا ان نعايش التغيرات المتسارعة حولنا وان نتعلم ونبقى قريبين من مصادر المعرفة والبحث العلمي وليس ذلك بممكن الا من خلال قراءة الأبحاث العلمية الرائدة وتمحيصها، عاملين في نفس الوقت على شحذ قدراتنا اللغوية العربية التي من خلالها سنفهم ديننا وهويتنا كما يجب ودارسين تاريخنا الذي سيهيء لنا طريقا معبدا نحو المستقبل، اما حاضرنا فلنا وله الله.


