النموذج التنموي و إعادة تدوير الفشل.. بقلم : أحمد الشتوكي

الداخلة تيفي : أحمد الشتوكي

بعد مرور عشرين عام على بداية ما كان يسمى بالعهد الجديد و الذي يقصد به للحظة تولي الملك محمد السادس للعرش خلفا لأبيه الراحل الحسن الثاني. استبشر الكثير خيرا خصوصا لما كان يتسم به العهد السابق من إستبداد و دموية و تنكيل بالمعارضين و غياب شبه كامل لحرية التعبير.

جعلت الكثيرين يسمونه ب “سنوات الرصاص” كناية على سواده و ما عاناه الناس منه. بالإضافة إلى الفشل الإقتصادي الذريع و ارتفاع معدلات الفقر و التهميش، الأمر الذي لخصه الملك الراحل بالسكتة القلبية ك دليل على الازمة الحقيقية التي كانت نتيجة للحرب بالصحراء و تتابع سنوات الجفاف و هو ما اصاب الإقتصاد في مقتل. لم تجد السلطة حينها من بد لتجاوزه سوى إطلاق مسلسل التناوب الذي كان ب مثابة المصالحة بين المخزن و اليسار القوي حين ذاك، و هو ما تكلل ب تعيين اليوسفي على رأس الحكومة سنة 1997 و إطلاق مشروع التقويم الهيكلي الذي كان عنوانه العريض خوصصة العديد من الشركات العمومية و تقليص دعم القطاعات الإجتماعية كالتعليم و الصحة بتوجيه مباشر من الدائنين و ابرزهم البنك الدولي سيئ السمعة.

و لكن باطن هذه السياسة كان ضمان انتقال سلس للسلطة بين الملك المريض و ولي عهده، و حتى لا نطيل في السياق الكرونولوجي الَمعروف. تسلم الملك السلطة و بدا مشروع الحكم ب إطلاق برنامج الإنصاف و المصالحة ك دليل على نيته الطلاق مع الحقبة السابقة و دعم و تعزيز الحريات و طفرة في مساحة الحرية و الصحافة، لكن على الجانب الإقتصادي كانت الإنتظارات و الآمال كبيرة، خصوصا ان الموسسات الدولية كانت تصنف المغرب في ذيل لوائحها الدورية لمؤشر التنمية، و هو ما تلقفته الدولة من خلال إطلاق مشروع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي كانت تهدف إلى محاربة الفقر و الهشاشة خصوصا في الأقاليم و الاطراف التي كانت تعرف هوة مجالية سارخة من حيث البنى التحتية و التنمية مقارنة مع المركز (محور الجديدة القنيطرة)، و نظرا ل كون هذه البرامج لا تكفي وحدها في خلق تنمية حقيقية و عادلة يستفيد منها الجميع.

لم تعمد الدولة إلى إصلاح حقيقي لبنية الإقتصاد الريعية، كما انها لم تخلق اقتصاد صناعي تنافسي، بل استمر التعويل على الفلاحة و السياحة و عائدات الفوسفاط. الأمر الذي مكن اقلية من رجال الأعمال ذلت صلة بالسلطة من تكوين ثروات هائلة في فترة وجيزة نتيجة لدعم الدولة من خلال التسهيلات البنكية و تفويت الأراضي و التهرب الضريبي، الأمر الذي كانت أولى مؤشراته حراك عشرين فبراير 2011 المستفيد من موجة الربيع العربي التي أسقطت أنظمة تونس و مصر.

و التي قابلتها الدولة ب براغماتية تحسب لها حينما قرر الملك الإستجابة لمطالب الشارع و العمل على تنظيم استفتاء لدستور جديد ك إجراء استباقي تبعته تنظيم انتخابات و فتح المجال العام اما المزيد من الحريات، لكن نظرا للمسار الدموي الذي اتخذته بعض الثورات و العودة القوية للثورة المضادة المدعومة بالمال الخليجي، دخل النظام في إعادة تدوير لنخبه و عودة الممارسات المخزنية و تضييق الخناق على الصحافة الحرة و تنظيم انقلاب ابيض على حكومة بنكيران الثانية التي ادت لخروج الاخير من الحكومة و الأمانة العامة لحزبه.

و بداية العمل على تقوية الحزب الإداري القديم الجديد و تدوير نخبه بالتكنوقراط و الرهان على الملياردير اخنوش للفوز بالإنتخابات القادمة، رغم كونه احد أهداف المقاطعة الشعبية للعديد من المنتجات السنة الماضية و نظرا لممارساته الإحتكارية في قطاع المحروقات بعد تحريره من طرف الحكومة التي يشغل منصب وزير فيها في تناقض صارخ مع مبدأ فصل السلط و ربط المسؤولية بالمحاسبة، و كنتيجة لهذه الصفقة بين جهاز المخزن و رجال الأعمال، نتج عنه ابتلاع لمقدرات البلاد و توزيع عمودي للثروة استفادت منه الطبقة الغنية و حلفائها من تكديس ثروات و امتيازات هائلة على حساب الطبقة المتوسطة و الفقيرة.

و هوة مجالية تزداد اتساعا بين المركز و الهامش نتج عنه العديد من الحركات الاجتماعية في الحسيمة و زاكورة و جرادة كتعبير عن رفضهم لإستمرار مسلسل التهميش الأمر الذي تطلب إعادة النظر في النموذج الإقتصادي ككل و تحديد مكامن الخلل، لكن ملامح فشل هذا البرنامج ظاهرة للجميع مالم يتخذ النظام نفس إصلاحي حقيقي شامل يبدأ ب فتح المجال السياسي و إعادة الثقة في الاحزاب و التخلي عن النخب القديمة التي يتم تديرها عند الحاجة،و تأسيس نظام جهوي حقيقي يمكن كافة الأقاليم من تسيير شؤنها بنفسها و خلق نموذجها التنموي الذاتي الذي ينطلق من إمكانياتها و خصوصيتها المحلية.

ثم العمل على تقوية و استقلال القضاء بما يسمح ب تحقيق العدالة للجميع و الكف عن استغلاله ك عصا عقابية لخصوم السلطة، ثم العمل على خلق اقتصاد صناعي تنافسي و عادل يستفيد منه الجميع و القطع مع الممارسات الريعية السابقة و كذلك بناء نظام تعليمي جديد ينطلق من الهوية المحلية و يرسخها و منفتح على المتغيرات الكونية المتسارعة كذلك ضمان الجودة و المجانية كحق دستوري لكافة المواطنين، منه إلى خلق نظام صحي عادل يحترم آدمية المواطنين و حقهم في التطبيب، كما أنه متعدد الاقطاب بما يضمن خريطة صحية شاملة لكافة المناطق الجهوية وفق نفس المعايير و الإختصاصات و دعم الابتكار و المبادرة الخاصة ك خيار استراتيجي يضمن لنا مكانة في عالم الغد. غير ذلك ستبقى مجرد عمليات تجميل لمريض على فراش الموت .


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...