كلمة في تأبين أغلى الأبناء أخي وابن خالتي المرحوم أحمد بابا ولد بشريا ولد علي سالم.. بقلم: محمد الدي
ارتميت على فراشي، بعد عودتي من جنازة ابن خالتي أحمد بابا ولد بشريا، كانت جنازته مهيبة وعظيمة، حضرها جُلُّ أهلِ الداخِلةِ الكِرام إنْ لمْ نقُلْ كلهم، أصدقاءٌ وأحبابٌ وجيرانٌ ومعارفْ وأبناءُ عمٍ ومَنْ تربِطنا بهم صلةُ القرابةِ والدم.
فتحت ذراعَّي فوقَ السرير، شعرتُ أنني منهكُ القوى، علاماتُ الحزنِ بادية ٌعلى وجهي، الذي أصبحَ شاحباً كوردةٍ ذبُلت بسببِ ارتفاعِ درجةِ الحرارة. فحاولتُ أن أنامَ، لكِنَ النومَ أبَى إلا أنْ يمنعني من ذلك، لم أستطعْ أن أغمِض جفني، الغُصة في حلقي، كأنها شوكة ٌ سكنتهُ منذ إعلانِ الوفاة، وقلبي يخفقُ خفقاناً أسرعَ من خطواتِ فهدٍ في الغابات.
قمتُ وعدَّلتُ جِلستي، الظلامُ لايزالُ دامِساً في غرفتي، وكأنَّ الأشباحَ حلَّتْ وعانقتْ الظلامَ لترسُمَ لي حزنَ الأيام. قررت فتحَ الدولابِ البني اللون ببطء، فتحتهُ بمفتاحي القديم الذي لم يصدأ مع مرورِالسنين، فتحته من “أجل أن أريحَ عينىَّ” كما يقول (يوسف زيدان) في صورةِ ابنِ خالتي، الذي رحلَ عني فجأة دونَ أن يخبرني أو يخبرَ أحداً، وكأنَّ الموتَ لا يعلنُ وفاةَ أحد.
وجدتُ ألبومَ الصور، فرأيتُ صورة أحمد بابا، تأملتُها، فرأيتُ العديدَ من الأشياء التي مرَّت في مراحل حياةِ كلِ إنسان. رأيتُ لحظة ولادتهِ وفرحَ أهلهِ وهُم يُحَّلِقون حوله وكلٌ منهم ينادي بالاسمِ الذي اختارَهُ لهُ، فوقعَ الاختيار على اسم أحمد بابا، لتعُّمَ المنزلَ فرحة لا توصف وتُسمَعَ الزغاريدُ من خارجِ البابِ، ويفرحَ أهلُهُ باسمهِ الجديد. يكبُرُ أحمد بابا ويفتحُ عينيه على جمالِ الداخِلة ووقعِ حكاياتِها على مسامِعهِ زمنَ الرجالِ الذين نكَّلوا بالاستعمارِ الإسباني وحكاياتِ الرجالِ الكِرام الذين قدِموا من الطانطان.
رأيتُ ابنَ خالتي يكبُرُ، وتكبُرُ معَهُ الابتسامة، ابتسمتُ لهُ، وهو يضحكُ بشغفٍ طفولي، يلعبُ مع أقرانِهِ ألعاباً مختلفة، تأملتُ مشهدَ دخولِهِ المدرسة حينما فرِحتْ خالتي وزوجُها بدخولِهِ، اشترى لهُ والدُهُ أجملَ ثوبٍ لذلكِ اليومِ الأول، رأيتُ خالتي فرِحة ً بدخِولهِ المدرسة، فبقِيَتْ تنتظرُهُ حتى خرجَ، كان شغفُها وفرحُها به كبيراً، سألتَهُ عن أولِ يومٍ لهُ في المدرسة والقسم واسمَ المعلم، أخبرها بكلِ التفاصيلِ وبصدقٍ ملائكيٍ كلَ شيء، فقبلتْ رأسَهُ، وقالت له: أتمنى أن تكونَ مستقبلاً مسؤولاً كبيراً.
يكبرُ أحمد بابا في جوٍ عائلي، مُحِّباً لكلِ أصدقائِهِ الذين يزورُهم ويزورونَهُ في المنزلِ بين الفينةِ والأخرى، ويشاهدُ معهم الأفلامَ الهنديةَ والمصرية. يكبُرُ وفي صورتهِ ميلادٌ لشابٍ سيدرسُ في الإعداديةِ والثانويةِ وتكبُرُ معهُ محبتُهُ للناس. رأيت صوراً له في رحلاتِهِ رفقةَ زملائِهِ بين 40 و 25 وفي كلِ أماكن الداخِلةِ الساحرة والجذابة. قلبت الصورة الأخرى فرأيتُ حفلَ زواجِهِ: فسقطتُ على الأرضِ مغشياً علىَّ، لم أقوَ على الوقوفِ وكأنَّ شيئاً ظلَّ جاثماً على صدري.
قررتُ الخروجَ، خرجتُ، سمعت أخي ينادني، لم آبَهْ لهُ، في رأسي تتراقصُ الكثيرُ من الأفكارِ: أحمد بابا وموتُهُ المفاجئ، هل ماتَ حقاً ؟ أم أنا في حُلم؟ هل أحلمُ أظنُ أنني أحلم. سرتُ ببطءٍ، أخطو خطواتٍ تشبهُ خطواتِ المهمومِ، فلفحني نسيمٌ باردٌ قادمٌ من وادي الذهب، انتعش شعري وخفّت وطأة النبضاتِ، أدرتُ وجهي يميناً، فرأيتُ المقهى الذي كانَ يجلسُ فيه أحمد بابا رِفقةَ أصدقائِه، بكيتُ وتأملتُ، كمَ مَّرَ من هذا المكان ما يحكيه الزمان، أحاديثٌ وضحكاتٌ وكلُ شيءٍ انتهى.
أصبحتْ لدىَّ فوبيا المكانِ الذي يُذكِرُني بهِ أينما حللتُ وارتحلت. اتجهتُ صوبَ منزلِ خالتي رأيتُ جَمعاً غفيراً من الناسِ يواسونَ ويقدمونَ التعزية للخالةِ في وفاةِ ابنِها، لم أستطِعْ الدخولَ، انهزمتُ وعُدتُ أدراجي إلى وادي الذهب، الذي لايُخفي الحزنَ والهمَ على أحد، لأحكي له مأساتي في وفاة ابن خالتي العزيز.
امتدَّ الليلُ، ليغطي سوادُهُ مدينة الداخلة، مُعلِناً حزنَهُ العميق، معلنا صمتَهُ الرهيب، معلناً أن الموتَ لا يفارقُ سماءَ الداخلة من حينٍ إلى حين. ففي كل مرةٍ نسمعُ نبأ وفاةِ شابٍ ويكونُ هذا الشابُ من خِيرةِ الشبابِ، وكأنَّ هذا الموتَ يتربصُ بِنا نحنُ فقط لا أحدَ غيرَنا.
الأضواءُ متناثرةٌ حولي، كأنني ملاكمٌ في حلبةِ المصارعة، اتجهتْ عيناي شمالاً، فرأيتُ ضوءاً وهاجاً من جبلِ العركوب، غيَّرتُ نظري اتجاه القمر، الذي ظهر شاحباً من وراء الغيوم، وأعلنتْ النجومُ الرحيلَ بسماعِها نبأ وفاة أحمد بابا، الأضواءُ خفتت والعصافيرُ حزنت والحيتانُ في النهرِ انزعجت، والكلُ في الداخلة حزِنَ لفقدانِكَ يا ابنَ خالتي.
عدتُ إلى منزلِ خالتي مرة أخرى، بعدما جمعتُ كلَّ قُواىَ، فلم أستطِعْ الدخول رأيتُ أبناءَ المرحومِ يُحّلقونَ أمامَ المنزل، رأيتُ الصدقَ في عيونِهم، والبراءة في وجوهِهم، والمحبة تنبعُ من قلوبِهم، تأملتُهم فانكسرَ قلبي. بكيتُ كطفلٍ جريح لم يقوَ على الوقوف، لم أستطعْ تأملَ ذلك المنزلَ الذي كانَ يحملُ السعادة، لم أعُدْ أستطيعُ أن أزورَهُ كما في السابق، خاصة أيامَ عيدِ الأضحى الذي كان يجمُعني بالفقيد. سيُّذكِرُني المكانُ، بسيارتِهِ، ببيتِهِ، بمكانٍ كانَ فيه، أنا ضعيفٌ لا أستطيعُ التحمل.
عدتُ إلى المنزلِ، متعب القلبِ والجسد ونفسي لا تتوقُ إلى رؤيةِ أحد، قررتُ في الصباح التالي أن أزورَ قبرَهُ، وأن أترحَمَ على روحِهِ الطاهرة. في يومٍ مُشمِسٍ من أيامِ الداخلة المتقلبة بسببِ جائحةِ كورونا، لمحتُ أشعة لامعة من المتاجِرِ في شارعِ الولاء، اتجهتُ شمالاً، وضعتُ الكِمامة على وجهي، فوصلتُ المقبرة، واتجهتُ مباشرة إلى قبرِ ابنِ خالتي، فقرأتُ الفاتحة والدعاءَ، وصرختُ عالياً في السماء: أمُك حزينة برحيلِك ووالدُك يرثيكَ وإخوتُكَ لم يخرجوا من وقعِ الصدمةِ بعدْ.
ياربي، ارحمْ أحمد بابا ولد بشرايا، وأسكِنْهُ فسيحَ جناتِك يارب. أقتربُ مِن قبرهِ وبصوتٍ يختلطُ بالبكاءِ رددتُ أبياتَ الشاعرِالعربي الكبير أبو الطيب المتنبي:
“أبلِغْ عزيزاً فى ثنايا القلبِ منزِلُهُ
أنِّى وإنْ كنتُ لا ألقاهُ ألقاهُ
وإنَّ طرفيَ موصولٌ برؤيتِهِ
وإنْ تباعدَ عن سُكنايَ سُكناهُ
يا ليتَهُ يعلمُ أنِّى لستُ أذكرُهُ
وكيفَ أذكرُهُ إذْ لستُ أنساهُ
إنْ غابَ عَّنى فالروحُ مَسكنُهُ
منْ يسكنُ الروحَ كيفَ القلبُ ينساهُ


