الجهة التي نريد…

تدور بجهة الداخلة وادي الذهب هذه الأيام نقاشات عميقة حول موضوع الجهة التي تسعى إليها ساكنة هذا الجرف الحبيب مستقبلا،و الشكلية الفكرية التي تستحق أن يمنحها المواطن *الدخلاوي* أصواته لضمان حقوقه و الدفاع عنها و المسؤول الذي يجلس بنفس المسافة بين جميع المكونات بالجهة و يؤمن إمانا تاما بمبدأ المواطنة دونما تمييز أو إقصاء.

 

فبعد مرور حوالي أربع سنوات عجاف من عمر مجلس جهوي منحته ساكنة الداخلة أصواتها و وضعت بين يدي أعضائه الكثير من الأمال و الطموحات و الملفات، سرعان ما ذاب جليد الجبل الشامخ و تحول كل شيء إلى سراب صيفي، لم يعد لمجلس جهتنا الموقر من الهموم و المشاكل سوى “أسواقا” الصراعات السياسية التي لا تسمن ولا تغني من جوع في ظل فقر تام لبرامج تنموية مسطرة و هادفة قد تنتشل ساكنة الجهة من نفق الإكتئاب السياسي و تنقذ شبابها من شبح البطالة…

 

فأي جهة تريد ساكنة الداخلة وادي الذهب؟

 

إن الإجابة عن سؤال كهذا، شبيهة بمهمة صعبة، فالإجابة غير ممكنة من منطلق التصورات العاطفية و الشعارات الرنانة التي يسوق لها السياسي إعلاميا و يحاول بثها عبر قنواته الخاصة داخل المجتمع،و لا يمكن أيضاً الجدال أو النقاش في هذا الموضوع من منطلق تصنيف الآخرين على أنهم خصوم ولا حق لهم في الحديث،بل تتطلب هذه الإجابة التفصيل في كل كبيرة و صغيرة على إمتداد السنوات الأربع الماضية و طرح مقارنة موضوعية و نزيهة للإشهارات السياسية و البرامج الإنتخابية السابقة و ما يوجد اليوم على أرض الواقع.

 

من المؤكد أن السمو في الفهم والإدراك لقيمة قطع الطريق أمام الطموحين إلى الإستفراد و إحتكار الكراسي و الرافضين لمنطق التداول و التناوب على السلطة و المسؤولية لخدمة المواطنين، يجعلنا دائماً أمام حجرة عثر و عائق خطير يحاول الآخرون من خلاله نسف الأخوة الإنسانية و العلاقات المختلفة داخل إطار “الجهة الكبيرة” الواحدة, وبين جميع مكوناتها و أطيافها و إديولوجياتها ،و السعي إلى بناء جدار يحول دون الإرتقاء بها إلى ذرى عالية تتخطى العصبيات سواءا الدينية أو العرقية أو الجنسية وغيرها.

 

لم تعد ساكنة جهة الداخلة وادي الذهب اليوم تلك الساكنة المغيبة عن زمام تسيير شؤونها العامة، بل ساكنة لطالما قلبت الموازين و فاجئت الكثيرين،و لربما ما يحدث اليوم من محاولة للتشويش على طريق الإصلاح و التغيير المنشود بعد التغييرات و الحركيات التي تعرفها الخريطة السياسية بالجهة هو في حد ذاته دليل على أن هناك من يسعى إلى حصار الراغبين في ممارسة حقوقهم الدستورية و خوض غمار المنافسة من أجل التغيير و خدمة الساكنة و دليل ايضاً على أن هناك من يريد بنا العودة من عهد دولة الإنسان إلى عهد الغزيان و السيبة و الفوضى لضمان و تحقيق مصالحه الخاصة.

 

لاشك بأن الدولة المدنية الحديثة بهذه الربوع، قد قطعت أشواطا كبيرة في سبيل تحقيق حلم دولة الإنسان، وهذه الدولة وإن إعترتها جوانب عديدة من النقص تظل أفضل الخيارات المتاحة أمام الإنسانية في وقتنا الحاضر للوصول لذلك الحلم،و لا شك ايضاً بأن المواطن بهذه الربوع ليس مستعدا للعودة إلى دهور خلت و إعادة إجترار الماضي و دغدغة العواطف ،دون أن يرى شيئا على أرض الواقع سوى مشاريع خاصة بمن هم في زمام تسيير الأمور، وهذا ما تزكيه الأرقام و الوثائق و تنفيه الأيادي التي ألفت ضرب الدف لولي النعمة للأسف الشديد.

 

إن دروس التاريخ بالقريب منه و المعاصر ،قد علمتنا أن محاولات بناء المؤسسات على أساس تفوق صنف واحد أو عرق محدد قد أورثت البشرية مآسٍ وفظائع كبيرة،و أشعلت فتيل صراعات لا يزال التاريخ يحكيها ولم يتم التغلب عليها سوى بالتعدد و الإختلاف و التميز و تغليب المصلحة العامة على الخاصة و إحترام حقوق الآخرين الدستورية خاصة،فهذا ما تحتاجه جهة الداخلة وادي الذهب،تحتاج إلى من يرى الهموم الاجتماعية هدفا أساسيا لا من يريد نشوة الإنتصار على خصوم سياسيين أو تصفية حسابات ضيقة على حساب أمة بأكملها.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...