الداخلة تيفي:محمد سالم الزاوي
لطالما كنت أعتقد أن ما يفصلنا عن البداوة بمدن الرمل التي نعيش فيها غير شعرة الشبكة التي تربطنا بالعالم.
وبعد يوم من الإنقطاع عن ما يجري حولنا بت أجزم بأننا مجرد بدو مع وقف التنفيذ نعيش وسط خيم إسمنتية ونتوهم أحجية “الا طاب أعشانا” المخزنية وكأننا صغار قرب قدر العشاء.
نتوهم التنمية الخداعة التي حدثونا عنها يوما ضمن واحات الصحراء التي حولها المغرب “لوعد دبي” الهلامي.
نتوهم أننا في الحضارة نشارع الألمان والانجليز وفي التطور نقارع الصين واليابان. ننام مرتاحي البال ونحن نشاهد مسلسلا تنمويا عملاقا يبلط وسط حلقاته مقاول “أكوج” طرقاتنا ب “الزفت” المسلح.
ننام وقد حرص رئيس بلديتنا أطال الله بقاءه على رسم السماء وزرقة البحر وجمال الكون على جدراننا. لا أخفيكم سرا بأنني كنت محتاجا لإنقطاع “الريزو” ليعود لذاكرتي “ريزو” مقاربة الواقع كما هو.
فقد ظلمت كثيرا الدولة والمنتخبين ووالينا أدامه الله حين كنت أدون مقالات الهجاء في حقهم دون أن أفتح عيوني لما أنجز وما سينجز من أوراش القمللة والبلقنة.
لقد كنت محتاجا فعلا لعفو “أحيزون” وشبكته الحلزونية لأمتع ناظري بما جاد به القدر علينا في هذه المدينة “المشرملة“..
فنحن لا نحمد نعم المخزن علينا وما أكثرها إن أحصيناها بتأمل..
فأول نعمة أننا نعيش الامن والأمان وحراسة الرحمان خصوصا عند الإحتجاجات السلمية التي ينظمها المتمردون على الرحمة المهداة في كل مرة..
أما ثاني النعم أننا محظوظون بوجود والي أمين على ممتلكاتنا العامة، والي زاهد في الدنيا راغبا عنها، والي يمنح الضعيف ويمنع القوي ويبري اللص ويشفي المنافق، إنها أكبر هبات المخزن فعلا أن يكون لنا والي يستشيرنا في منح تجزئات بأكملها ويأتمر بأمرنا في بيع أخريات لسنا في حاجة لها، محظوظون بأن لنا إدارة تفتح ذراعيها لنا لإستقبال همومنا والتطلع لإنشغالاتنا والسهر على بؤسنا وفقرنا وفاقتنا، فحتما أن ما قاله ملك البلاد في خطابه لا يعنينا به وغير موجه لجهتنا وبقاعنا.
نحن محظوظون يا سادة برئيس بلديتنا الساهر على جمالية مطرحنا، المنظم لمزابلنا والمصرف لفضلاتنا، محظوظون بوجود “زلايجي” بلدي يحكمنا ليمنحنا “زليجا” في كل شارع وكل زقاق وقريبا سيمنحه لنا في كل بيت ومنزل..
محظوظون بمجالس العياط والصياح والنباح، فمن له تحفة منتخبة مثلنا من فرط الحرص علينا وعلى خبز أفراننا تنابزوا بالإلقاب وتضاربوا بالكلام، نحن محظوظون فعلا ومن يقل غير ذلك فهو لئيم جاحد بنعماء المخزن ورحمته وعافيته.
فمن يستطيع التجول وسط شوارع بالوعاتها ترمم بالإسمنت عند كل أسبوع وأرصفتها ترمم بين الساعة والساعة، من يستطيع التجول وسط عود “الواد الحار” وبخور “الرطريطي” الزكية.
من مثلنا يملك خليج “الحشاشة” الذي عندنا بصخوره وأوساخه وقرفه.
من منا لا يتقاضى بطاقة إنعاش تباركه نحو القبر ويملك بقعة خالية يبيعها بعد نفاذ الصبر.
من منا لا يصاحب المقاهي وأرصدته البنكية مليئة بالأصفار. نحن نملك كل شئ برحمة المخزن وصلاح رجاله وخردته ومسؤوليه.
نملك سواحل هواي وشوارع روما وبنايات بفارايا وقطارات اليابان ومطارات باريس ومقاهي بروكسل وفنادق بوسطن..نملك جسر البوسفور نحو “العركوب” وطريق الكيبك السيار نحو العيون .. نحن نملك التنمية الفائقة الجودة التي بدأت منذ 1978 ولازالت تحبو في سنة 2016 لتفندها طريق مغشوشة فوق صبيب واد الساقية.
نحن نملك السوربون على طريق “فم لبوير” ومعاهد أوكسفورد في “تاورطة” ، نملك مدارس “العم سام” ونصدر الأدمغة لبلاد الغال.. نحن نملك كل شئ لكننا نحب أن لا نحب أي شئ فقد كنا دوما كافرين بنعم المخزن وخيره وخميره.
نحن نملك رواتب السويسري وكرامة السويدي ومعيشة الإماراتي ونفضل المبيت على الرصيف لإزعاج مقام الوالي المأتمن على ترفنا وسعادتنا. فما أحوجنا لوزير خاص بالسعادة في الحكومة الجديدة يخصص لهذه الجهة دون غيرها.
ما أجمل العيش بدون شبكة لنعرف كم من نعم لم نحصيها وألاء لم نجنيها ونحن منكبين على “هرطقة” مارك وعالمه الأزرق.
فنحن نعيش وسط حدائق بابل وجنان التنمية “المقولبة” التي لا يراها إلا الحامدون الشاكرون.. ما أجمل أن تكتشف أن غياب “الريزو” يعيدك لسمرة البداوة والخيم، يذيبك في حياة القساوة بين المقاهي المتآكلة والشوارع الخالية..
ما أجمل أن تكتشف كذب الدولة ومسؤوليها ومنتخبيها وجماعة “العياطة” و “الرقاية” وهم يحدثوك عن تنمية الفركان الإسمنتية التي نتعايش مع واقعها الكاذب بفضل الشبكة. لذلك أقدم تشكراتي للسيد “أحيزون” وشبكته المتعبة على إعادتي لجدة سمراء من جداتي..
أشكره لفتح ذاكرتي على أوهام وتخاريف عنوانها تنمية جهاتي…


