الداخلة تيفي:
أثمر التحول الدبلوماسي الذي شهدته شبه الجزيرة الكورية هذا العام عن قمة تاريخية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الكوري الشمالي كيم يونغ أون، لتتحول الدفة في وقت قياسي من التوجه نحو أجواء تنذر باندلاع حرب إلى فرصة فريدة من أجل تحقيق السلام في المنطقة.
وفي خضم التوتر الذي وصل أوجه عام 2017، الذي شهد عددا لا حصر له من التجارب النووية من جانب كوريا الشمالية بالتوازي مع تعالي نبرة التحدي في خطاب ترامب أثناء تعاطيه مع هذا الملف، توجهت بيونغ يانغ بطريقة محسوبة للغاية نحو مد يدها بأغصان الزيتون مع بداية 2018.
وفي خطابه المعتاد لاستقبال العام الجديد، وافق كيم على استئناف الحوار مع سيول استجابة لدعوة الرئيس الكوري الجنوبي، مون جيه-إن، كي تشارك جارته الشمالية في دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية التي أقيمت في فبراير الماضي بمقاطعة بيونغ تشانغ الكورية الجنوبية.
وقبلت بيونغ يانغ الدعوة وأرسلت أول ممثليها إلى كوريا الجنوبية، على رأسهم كيم يو-يونغ، شقيقة الرئيس الكوري الشمالي التي أصبحت أول عضو من الأسرة الحاكمة في النظام الشيوعي تطأ قدماها الجارة الجنوبية.
وسرعان ما آتى هذا التقارب ثماره التي تمثلت في انعقاد ثلاث قمم بين كيم ومون خلال ستة أشهر، ما يعد إنجازا غير مسبوق، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أسلافهم في الدولتين جمعتهم بالكاد قمتان طوال 72 عاما.
وكان لهذه القمم التي انعقدت بين كيم ومون دور جوهري في الوصول إلى الاجتماع التاريخي الذي جمع لأول مرة بين رئيس الولايات المتحدة ونظيره الكوري الشمالي، في قمة تحدثا خلالها عن ملف نزع السلاح بشبه الجزيرة الكورية.
ووجه نظام بيونغ يانغ الدعوة إلى الرئيس الأمريكي في مارس الماضي من خلال الوفد الكوري الجنوبي الذي زار بيونغ يانغ للإعداد لأول قمة بين الكوريتين في 2018.
وقبل ترامب المولع بالتباهي بقدراته على التفاوض كرجل أعمال متمرس دعوة كيم، مقتنعا بأن أسلافه في البيت الأبيض لم ينجحوا في إعادة الرئيس الكوري الشمالي إلى صوابه بسبب رفضهم مواجهة الزعيم الشيوعي.
لكن هذه القمة كانت على وشك الخروج عن مسارها بسبب الخلافات حول نموذج محتمل لنزع السلاح في الكوريتين. ولم ينقذ هذه المبادرة في النهاية سوى لقاء ثان -جرى بشكل مفاجئ وسري بين كيم ومون في 27 أبريل الماضي، لتنعقد القمة بين بيونغ يانغ وواشنطن في النهاية بسنغافورة في يونيو.
وفي هذا البلد الآسيوي ظهرت علامات الانسجام على المستوى الشخصي بين هاتين الشخصيتين الفريدتين اللتين تحكمان الولايات المتحدة وكوريا الشمالية، ووقعا معا إعلانا بدآ به عهدا جديدا من العلاقات الثنائية عقب نحو سبعة عقود من الصراع، بدأت مع الحرب الكورية (1950-1953) التي انتهت بهدنة بدلا من معاهدة سلام.
وتعهد الطرفان على العمل معا من أجل “نزع كامل للسلاح النووي بشبه الجزيرة”، مقابل ضمان واشنطن لبقاء نظام بيونغ يانغ.
ويمثل هذا الاتفاق تقدما هائلا مقارنة بما كان عليه المشهد في 2017، لكنه لا يمحو الشكوك بشأن استدامة عملية الحوار، لكونه يفتقر إلى وجود جدول زمني أو خارطة طريق محددة لتنفيذ هدف نزع السلاح النووي في كوريا الشمالية.
ويرى أغلب الخبراء نية صادقة في اهتمام بيونغ يانغ بنزع فتيل التوتر والمراهنة على تنمية اقتصادية في البلد الشيوعي، لكنهم يعتقدون أنه من شبه المستحيل أن تتخلى كوريا الشمالية عن برنامجها النووي بشكل تام.
وفي هذا السياق، ترى بيونغ يانغ أن تقديم حصر بمخزوناتها النووية كما تطالب واشنطن سيكون بمثابة انتحار. وتطالب الولايات المتحدة بضمانات إضافية مثل توقيع معاهدة سلام قبل حتى الشروع في مرحلة المساومات.
ورغم أن كلا الطرفين أعربا عن استعدادهما لعقد قمة ثانية، أوشك العام الجاري على الانتهاء على نفس الوضع القائم الذي يولد شعورا بأن الافتقار إلى الركائز الفنية في اتفاق سنغافورة سيتطلب عملية دبلوماسية طويلة لتحقيق إنجاز حقيقي في ما يتعلق بنزع السلاح النووي في كوريا الشمالية، حتى ولو بشكل جزئي.
من جانبها، أبدت سيول تأييدها للبدء في التخفيف تدريجيا من العقوبات ضد بيونغ يانغ بهدف الدفع بعملية الحوار حول نزع السلاح النووي ولتجنب فشل عملية التقارب مع جارتها الشمالية كما حدث منذ عقد.


