الداخلة تيفي:
عاد رئيس الحكومة المغربي السابق عبد الإله بن كيران بقوة إلى الواجهة الإعلامية مؤخراً من خلال تصريحات وردود، آخرها تناوله لمجموعة من القضايا السياسية بالمغرب وقضايا الشأن الحزبي والديني، في بث مباشر ليلة الأحد من بيته بالرباط أمام أعضاء حزب العدالة والتنمية بالخارج، وهو البث الذي تطرق فيه لدور المؤسسة الملكية ومنتقداً المطالبين بالملكية البرلمانية، وقال إنه ليس متفقاً مع «ملك يسود ولا يحكم» مثنياً على الدور التاريخي لإمارة المؤمنين ومؤكداً أن علاقة حزبه بالملك هي علاقة استراتيجية مبنية على أصول المرجعية الإسلامية .
وقال بنكيران، وهو القائد السياسي الذي ما زالت مسألة إعفائه من رئاسة الحكومة بقرار ملكي محط نقاش سياسيين جراء «بلوكاج» أثناء تشكيل الحكومة، إنه تقبل قرار الملك وبأنه كما رضي بالتعيين أول الأمر فهو راض عن الإعفاء وبأن الملك من حقه ذلك، فحتى إن أراد إزاحة سعد العثماني، رئيس الحكومة حالياً، فيمكنه ذلك، وانتقد بشدة يساريين راديكاليين اصطفوا مؤخراً إلى جانب السلطة ووصفهم بـ»الخصوم الشرسين» للحزب، قائلاً إنهم لا يرغبون في وجود من يتحدث عن الفساد والاستبداد وعن الريع وعن الإصلاح. وفي وقت ازدادت فيه التجاذبات من جديد بين التيارين الإسلامي واليساري بعد إثارة ملف القيادي في «البيجيدي» عبد العالي حامي الدين الذي تابعته المحكمة في قضية سبق إغلاقها متعلقة باتهامه في واقعة مقتل طالب يساري بداية التسعينات، وبسبب كذلك قضية البرلمانية والقيادية في الحزب أمينة ماء العينين، ورفع بن كيران من حدة هجومه على اليساريين معتبراً ما أسماه باليسار المتطرف خصماً لحزبه وبأنه «لا يشكل خطراً فقط على الإسلاميين وإنما يشكل كذلك خطراً حقيقياً على الدولة «، قائلاً عنهم أنه يسار «اكتسب شراسته من الفقر» و هو «يسار يجاهر بالعداء للدين والدولة والملك»، مضيفاً أنه تيار «جاهر بمحاربة الإسلام والإلحاد وحتى الوحدة الترابية وعبر بوضوح عن مواقفه ضد الملكية».
في حين خصص حيزاً وفيراً من حديثه للدفاع عن أهمية المؤسسة الملكية في النظام السياسي في المغرب، ومنتقداً المطالبين بملكية برلمانية، وهو المطلب الذي رفعته حركة عشرين فبراير، وأساساً الأحزاب التي تشكل حالياً فيدرالية اليسار الديمقراطي، وثلة من المثقفين المغاربة، منهم إسلاميون ويساريون ولا منتمون إيديولوجياً. وطالب بنكيران أنصار الملكية البرلمانية أن يوضحوا ماذا يقصدون بها ؟ قائلاً: «إذا كانت الملكية البرلمانية هي ملك يسود ولا يحكم فأنا ضدها ولا أتفق عليها، ولا أقول هذا للمرة الأولى»، مضيفاً ما معناه بالفصحى «ملك يسود ولا يحكم لا حاجة لنا به» في إشارة إلى تشبته بملكية تنفيذية يتمتع فيها الملك بصلاحيات واسعة، قائلاً: «نحن نريد التقدم، لكن بالتوافق مع الملك، والصلاحيات يجب أن تظل عند الملك، لأن الديمقراطية التي ستشتت القرار ولن يبقى عندنا مرجع بعد الله ..» .
واستغرب متابعون انتقاد بنكيران التجربة التونسية وقوله إن هناك من يحن لزمن «الديكتاتور» وبأنه رغم أنه يعز تونس وله أصدقاء تونسيون يعزهم إلا أنه كلما زار البلد حزّ في نفسه حالة الفوضى وكثرة الاحتجاجات وتدهور الأوضاع أن «تونس بلاد غير منضبطة رغم أن ديمقراطيتها أحسن من المغرب»، و«لما أذهب لتونس وأجد إضرابات عامة وأوساخاً يحز ذلك في نفسي ويؤلمني أن أرى البلاد غير منضبطة أكثر وهناك من يتمنى عودة الديكتاتور». حديث بن كيران عن تونس جاء في سياق ثنائه على المغرب، معتبراً أنه الأفضل بين الدول العربية، فإن كانت بعض الدول تفوقه من ناحية الثروات فإنه ينقصها الحرية الموجودة في المغرب، وإن كانت بلدان أخرى، في إشارة إلى تونس، تفوقه في الديمقراطية فإنها تعرف أوضاعاً أمنية واجتماعية غير مستقرة .
الملفات المثارة مؤخراً بين العدالة والتنمية و»خصومه» السياسيين تنبئ عن تدشين لغمار التنافس الانتخابي للاستحقاقات المقبلة التي يفصل المغرب عنها سنتان، حسب ما صرح به حتى قياديون بذات الحزب، تشتد الهجومات من كلا الجانبين خاصة ضد «البيجيدي» الذي يتبوأ الخارطة الحزبية في المغرب في محاولة لشق صفوفه أو إضعافه حسب تحليل المنتمين لهذا الحزب وعدد من المتابعين للشأن السياسي بالمغرب غير المنتمين له، وهو ما دفع ببنكيران إلى الهجوم على خصومه السياسيين يساراً ويميناً، قائلاً إن خصومه «لا يحبون سماع لا مرجعية إسلامية ولا محاربة فساد ولا استبداد»، قائلاً إن جزءاً منهم مستفيد من «الريع» ويراكم الثروات، وجزءاً منهم «يسار متطرف فقير»، قائلاً إن ضمن صفوف هذا من (باع الماتش) أي تخلى عن مبادئه وما زال فيه «شرفاء»، مذكراً أن حزبه فاز على خصومه في ثلاث محطات انتخابية على التوالي، وبأن الحزب مستهدف، وهو ما جره للحديث عن حالتي عبد العالي حامي الدين وأمينة ماء العينين.
وعن عبد العالي حامي الدين الذي أثيرت من جديد قضية اتهامه في مقتل طالب يساري مطلع التسعينيات، أكد بن كيران أن المحاكمة تضر بصورة المغرب، متحدثاً عن الانتقادات التي تلقاها وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، مصطفى الرميد، حينما كتب تدوينة غاضبة على قرار إحالة حامي الدين على المحكمة، وهو ما اعتبره بنكيران أنه من الناحية القانونية غير ممكن، قائلاً إنه لا يتفق مع كل ما جاء في تدوينة الرميد، وبأن الأخير صحح الأمر فيما بعد حينما تحدث عن استقلالية القضاء، كما أشار بنكيران إلى الانتقادات التي تلقاها حينما حضر جلسة المحاكمة، وبأن هناك من اتهمه بالتدخل في القضاء، متهكماً بأنه حضر كأي مواطن يجلس في الصف الثاني أو الثالث في قاعة المحكمة، قائلأ إن من يتدخلون في القضاء هم «أصحاب الهاتف’، وهي إشارة يستعملها المغاربة للحديث عن تلقي التعليمات في القضاء .
وفيما يخص أمينة ماء العينين فقد عاد للتأكيد أن استهدافها هو بسبب مواقفها وعلى كل من له حسابات سياسية معها، في إشارة إلى الانتقادات التي تلقتها من صفوف حزبها، متهماً من يصفي الحساب معها الآن بالنذالة، قائلاً إن الأمر يتعلق باستهداف شابة لامعة، إن لم تكن ألمع امرأة سياسية في المغرب تتنافس على هذا اللقب مع نبيلة منيب، الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد المعارض، معتبراً أن قضية ماء العينين «فيها التباس»، وعاتبها على عدم الوضوح في تدوينتها بخصوص صورها بدون حجاب ثم تابع: «إذا افترضنا أن الصور صحيحة، فمن قام بذلك لم يقم به من أجل بيع جريدته، لأنه يبيع ويشتري وأنتم نائمون»، موجهاً الحديث لمستمعيه في «اللايف» الذي حظي بمشاهدة واسعة، كما أثار ردود فعل متباينة، خصوصاً أن الكثيرين يرون أن الحزب يعول على شعبية بنكيران الواسعة لبدء غمار التنافس الانتخابي من الآن.
|


