سأبدأ من حيث إنتهى الدكتور عبد الرحيم بوعيدة متحدثا ذات يوم للصحفي بلقسام في برنامج “نقاش في السياسة” على جريدة هيسبريس،حين قال أننا في الصحراء لا نملك نخب تمارس السياسة و تعترف بالقانون بل العكس،هذا الطرح يزكيه الدكتور بوعيدة بما نراه نحن كمتتبعي للشأن المحلي بالصحراء عن كثب حين يقول بأن النخب التي صنعتها الدولة تحولت إلى دولة داخل الدولة ولم يعد بإمكان الدولة السيطرة عليها،و هذا ما يحدث الآن في الحياة السياسية بالصحراء التي باتت تعتمد بالأساس على رجال الأعمال في ممارستها،بل حتى المواطن البسيط إذا قرر منح ثقته في التوصيت لأحد المرشحين السياسيين فسيمنحها لرجل الاعمال دون غيره حتى و إن كان على يقين تام بأنه ليس الشخص المناسب لتلك المهمة.
السياسة في جهات الصحراء،لا تحتاج كثيرا لأي إطار سياسي من أجل ممارستها فالإسم العائلي بمختلف مجالس هذه المدن هو في حد ذاته “حزب سياسي” بدون قانون داخلي ولا منظمات موازية بل إسم يجر عربة من المال تسيل لعاب السواد الأعظم من “الساخطين على الوضعية”،الفئة التي تصب جام غضبها على الدولة و مؤسساتها لكنها تقرر مصيرها السيئ بنفسها و بكل حرية و تمنح أصواتها في تناقض تام و سكيزوفرينية في المواقف لمن لا يستحق.
بعد تحول الحياة السياسية بجهات الصحراء إلى شبه مشاريع مذرة للملايير بداية من الحصانة البرلمانية إلى غاية رفع الدولة من سقف الميزانيات المخصصة للمجالس المنتخبة،أصبح للقبيلة دورا كبيراً في التدخل في عوالم السياسة بالصحراء،إن لم أقل بأننا بهذه الربوع لدينا السياسة و سياسة القبيلة و هو مولود جديد يكبر شيئاً فشيئ و يبسط سيطرته على ما تبقى و يستقطب ما إستطاع من المواطنين لتوسيع قاعدته شكليا فقط،و يحال إعادة الإديولوجيات القبلية القديمة إلى المنطقة.
لقد أفرغ رجال الأعمال بهذه الربوع الحياة السياسية من مضمونها و بسطوا سيطرتهم و إستغلوا وجودهم على كراسي مؤسسات منتخبة لمصالحهم الإقتصادية و الذاتية فقط،كلها أمور تلقي بظلالها على الملف الأول بالمنطق وهو ملف الصحراء،الملف الذي لم يجد منذ سنوات سياسيين محليين من بمقدوره أن يحركه إلى جادة الصواب و محاولة البحث و إقتراح حلول تنهي الأزمة أو تزيحها ولو قليلاً عن طريق النفق المسدود و التلويح ما من مرة بتوقعات عودة المنطقة إلى الإنفجار.
أظن بأن الدولة حتى و إن كانت راضية بشكل أو بآخر بالنخب الصحراوية الغير منتجة و الموجودة اليوم في الواجهة أو بمعنى آخر صامتة عن عجزها في القيام بمهامها الكثيرة و القليلة فعليا كونها تملك قواعد من المواطنين أو بحكم إنتمائها القبلي فعليها أيضاً (الدولة) فتح الطريق أمام النخب الشابة و حماية حقوقهم في الممارسة السياسية أمام جبروت أغنياء المال العام و أخطبوط سياسة المال و الاعمال، فهم ايضاً ينتمون لنفس القبائل و نفس المنطقة و تربطهم نفس العلاقة بالدولة و الشعب.ط،فقط هم ليسوا مرشحين “دوماليين”.


