المال السياسي…شراء للذمم وتشويه للديمقراطية الموريتانية

لا صوت يعلو في موريتانيا هذه الأيام على صوت المال السياسي، فالانتخابات التشريعية والبلدية والجهوية المقرر تنظيمها في مايو (أيار) المقبل تستخدم فيها جميع الأساليب لضمان دخول قبة البرلمان والفوز بالمقاعد النيابية.

 

وينشط سماسرة الأصوات الذين يبحثون عن شراء بطاقات تعريف المواطنين في الأحياء الفقيرة من العاصمة، بغية تسجيلهم على اللائحةالانتخابية، مستخدمين مغريات مادية للتأثير في ميولهم السياسية.

ويركز الباحث الاجتماعي عبدالله الزين على زاوية يمكن من خلالها فهم هذه الظاهرة بقوله إن “استخدام المال السياسي في الانتخاباتوتوجيه إرادة الناخب هما سلوكيات وممارسات تعتري السواد الأعظم من المجتمع الموريتاني، ذلك أن غالبية الناس لا تعتبر صناديق الاقتراعهي فيصل الحكم، لأن الناخب في الغالب هو شخص متحكم فيه من طرف سلطة ما، قبائل وعصبيات، وتوجهه لصالحها”.

 

ويعدد النائب بالبرلمان الموريتاني محمد بوي الشيخ مظاهر استخدام المال السياسي في موريتانيا بقوله “الشراء المباشر لصوت الناخب يتمبطريقة فردية أمام مكاتب التسجيل بمبلغ محدد وبطريقة علنية، كما أن هناك الشراء الجماعي للأصوات عبر سماسرة محترفين يجمعونكميات كبيرة من بطاقات التعريف ويبيعونها للمهتمين بمبالغ مالية كبيرة بحسب الكمية ومكان التسجيل، إضافة إلى شراء الصوت عبراستخدام التجمعات القبلية وبيع أصوات القبيلة بمبالغ مالية أو مصالح شخصية”.

 

وينبه رئيس مركز الصحراء للدراسات والاستشارات أحمد ولد التليمدي، إلى مظاهر أخرى لاستخدام المال السياسي في الانتخاباتالموريتانية، تتمثل في “هرولة أصحاب المال لدخول البرلمان وشيوع ظاهرة الترحيل السياسي، وهي إحصاء مواطنين في مقاطعات بعيدة منمكان إقامتهم ويتم ذلك عن طريق عملية إغراء واسعة لشراء الذمم، ويتصدى لها بعض الفاعلين السياسيين، وكذلك الدولة نفسها عن طريقتوجيه البرامج الاجتماعية لديها للتأثير في قناعات بعض المواطنين”.

 

قتل روح الديمقراطية

 

وترتفع أصوات النخب السياسية الموريتانية لوضع حد لتلك الظاهرة، وعلى رغم ارتفاع مستويات الوعي في المدن الكبيرة، يبقى الداخلالموريتاني البعيد مسرحاً لشيوع استخدام المال السياسي، بخاصة أن هذه البيئات التقليدية تضافر فيها روح القبيلة مع شيوع الفقر ممايساعد في بروز شراء الذمم.

 

ويصف النائب محمد بوي هذه الظاهرة بأنها “تعتمد أساليب منحطة أخلاقياً ومحرمة شرعاً ومجرمة قانوناً، ولها بالغ الأثر في الحياةالسياسية، حيث يتحكم أصحاب النفوذ والمال في المشهد السياسي عبر إيصال أشخاص لا يتمتعون بأية كفاءة، ويناصرون الظلم،ويدافعون عن الفساد، وينشرون الرشوة والمحسوبية”.

 

ويؤصل رئيس مركز الصحراء للدراسات والاستشارات هذه الظاهرة بقوله إنها “قديمة في المجتمعات التي لم تصل فيها الديمقراطية إلىمرحلة النضج، ولديها تأثير كبير في الحياة السياسية حيث لا تعبر النتائج عن مواقف المواطنين الصحيحة من المرشحين، ويمكن القول إنهاقتل للروح الديمقراطية”.

 

 

 

وعلى رغم التشريعات التي أقرتها موريتانيا في مجال تنظيم الانتخابات لم تنجح هذه الإجراءات في القضاء على الظاهرة، إذ إنها تحدثفي الظلام بعيداً من عين الرقيب. ويرى باحثون أن انتشار تلك الممارسات يعود إلى سلوك مجتمعي يحتاج إلى زمن طويل من التوعيةللقضاء عليه.

 

بينما يرى النائب البرلماني محمد بوي أن “القوانين الموريتانية لم تعالج هذه الظاهرة بالشكل الكافي، إذ يجب تجريم حيازة بطاقة التعريفعند غير صاحبها، ومنع نقل الناخبين وتغيير الواقع الديموغرافي لمكاسب سياسية”.

 

ويعترف ولد التليمدي أن “القوانين وحدها لا تكفي فلا بد أن يكون معها توعية وتطبيق جدي وإرادة قوية من الطبقة السياسية التي تحتاجهي الأخرى إلى الإصلاح، وتبقى القوانين ضرورية لكي توجد وتخلق وترتب عليها عقوبات لمن أخل بها”.

 

ويضيف “أننا نحتاج إلى بلورة رؤية واضحة للحياة السياسية لمجتمعاتنا توائم بين متطلبات الديمقراطية وواقع كل مجتمع على حدة، وقبلذلك مصارحة بالمشكلات المطروحة والتزام أخلاقي يوقع عليه كل شريك سياسي”.

تلويح بالعقوبات

في سياق متصل، أشاد فاعلون سياسيون بإجراء اتخذته اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات قبل أيام، حين فصلت ثلاثة موظفين تقوممهمتهم على تسجيل المواطنين على اللائحة الانتخابية، وذلك بسبب مخالفات واضحة، بحسب بيان للجنة نشرته على صفحتها على بموقعالتواصل الاجتماعي “فايسبوك”.

 

وذكرت اللجنة أنها فتحت تحقيقات في حالات مشابهة بمناطق أخرى، بينما لمحت مصادر إلى أن سبب فصل الموظفين عائد لشبهاتاستخدام المال السياسي و ذلك لتسجيل ناخبين بطرق غير قانونية.

 

واعتبر النائب محمد بوي أن “بيع المناصب الانتخابية جرم متعدد ويجب سن قوانين تحل الحزب مباشرة في حال أقدم على هذا التصرف،والحرمان من الحقوق السياسية لكل متورط في جريمة التلاعب بالمنصب الانتخابي بيعاً وشراء”.

 

وطالب رئيس مركز الصحراء للدراسات والاستشارات الفاعلين السياسيين بتقييم كل تجربة بعد انتهائها وتحديد مخالفات كل طرف، وترتيبعقوبات لمن أخل بالالتزام قد يصل إلى مرحلة حرمانه من المقعد الانتخابي.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...