حكايات الطانطان في الزمن الجميل ورشة تيتاي الكهربائي الميكانيكي.. بقلم: فيصل رشدي

في ليلة ساحرة، من ليالي الطانطان الساحر، حيث النجوم تملأ فضاء السماء، و لمعانها يضيء الكون كله. والقمر في الجانب الأيسر، يطل بوجهه الحزين، ويطلق شعاعه المخترق الوهاج جبال الطانطان وهضابها الممتدة على حد البصر. بينما أنا جالس في منزلنا، سمعت أنين ناي، يصل صوته الشجي أذان السامعين من بعيد، فتطرب له الآذان وتتراقص له أعضاء الجسد منسابة لوقعه الساحر. خرجت لأتبع نغمات الصوت، فإذا بعيني تقع على شيخ جليل يعزف علي الناي وخلفه صبيان صغار لم أدقق فيهم النظر، رأيت فقط شخصا واحدا، إنه القنصل يبتسم، ويصفق، والشيخ يبتسم وإذا بالقنصل يقول:- بالله عليك يا رجل أسمعنا لكصيبة؟ – يرد عليه الشيخ: سأعزف عليها الآن.

 

يبتسم القنصل ويقول إن عزفك يا شيخ يخرج الحريم من وسط المنازل، ويطرب لسحره الرجال في المناجم والأموات في المقابر. اقتربت منهما وقد أطلق الليل نسيما باردا وسوادا حالكا، ألقيت التحية على القنصل والشيخ، فقال القنصل: -للرجل: هذا حبيب مانا، وكل واحد منا له حبيبة في هاته البلدة العجيبة. رأيت الشيخ، وهو يعزف، بوجهه الأبيض وعيناه الكبيرتان وفمه الذي غطاه الناي، ولثامه الأبيض، ودراعته الزرقاء، كان يعزف بطريقة أشبه بساحر يسير فوق حبل رقيق أوهى من بيت العنكبوت. رآني، فعزف، وغنى. غاب عنا الصبية الصغار، فتبعنا العزف، اقترب منا شيخ جليل، عرفته من هيأته: فقلت للعازف توقف عن العزف، اندهش العازف، فقال لماذا؟ – قلت له لا يجوز العزف أمام هذا الشيخ الجليل.

 

تقدمت أنا والقنصل لنقبل رأس عبداتي ولد ديدي، بعد سلام طويل، انصرف عنا، فأخذنا السير من السليسلة اتجاه الخشيبة، كان العزف لايزال متواصلا. اقتربنا من منزل مانا، فرأيتها تطل من أعلى الشرفة، الليل غطى وجهها، لكن سحره وتأثيره لا يخفى وإن وضع بين جبلين. أمرت العازف بالعزف، فقال لي: ما الخطب؟ – فقلت له: الأمر يعنيني. ثم عزف، لكن مانا نظرت إلي من شرفتها فدخلت إلى منزلها، عندما رأت شقيقها الأكبر.

 

سرنا بسرعة، وصلنا الزقاق الذي يتواجد به منزل محمد الغالي ولد أخطور، انعرجنا إلى أسفل الزقاق وفي آخره على الجانب الأيسر يوجد منزل أعلي بويا ولد ميارة. اقتربنا من ورشة تيتاي، الذي طلبنا منا الجلوس معه. لبينا الدعوة الكريمة، فجلسنا قرب المحل، الصغير الحجم، وفي داخله العديد من المعدات وقطع الغيار وأحزمة وأدوات ميكانيكية.

 

رأيت سيارتين من نوع لاندروفير أمام محل تيتاي، قدمنا لنا تيتاي مستلزمات الشاي الصحراوي، فجلس الشيخ يعد الشاي، وجلس بالقرب مني القنصل. ثم قال الشيخ ياه يا تيتاي: إن هذا الشاي شاي النميلي. فقال له تيتاي: كيف عرفته يا شيخ؟ ضحك الشيخ ملء فمه، فضرب يديه في السماء، قائلا الصندوق لا يخفى، لكن الرقم أثبت لي أنه شاي النميلي 8147، وبالتأكيد اشتريته عند محمد لكوارى في محله.

 

ابتسم تيتاي بوجه الأبيض، الذي تظهر عليه علامات حمراء كلما ضحك، فهو قصير القامة، أشيب الشعر، يضع قبعة بغطائها على رأسه، ويلبس قميص إلى منتصف ذراعه مع سروال جينس وحذاء رياضي. كان تيتاي شخصية عجيبة وغريبة، يتحدث الإسبانية بلكنة مغربية. قام الشيخ بإعداد الشاي على مهل فوق جمر هادئ. الزقاق شبه فارغ، إلا من شباب يتجولون في الشارع الرئيسي.

 

ثم تقدم نحونا شخص لم نعرفه من ملامحه الأولى، لما اقترب أكثر عرفته: بمبما ، سلمنا عليه، وجلس معنا. شمر تيتاي على كتفيه، فقال سأصلح هاتين السياراتين في مدة شربنا للشاي. فقال له: بمبما: هل أنت جني يا تيتاي. فضحك تيتاي ملء فمه قائلا: أنا ديبالو، ديبالو في الشمال يعمل كل الأعمال. شربنا على مهل كأس شاي الأول، وأخذ تيتاي يعمل في لاندروفير الأولى: نسيت القنصل والشيخ وبمبما وركزت صوب حركات تيتاي، كانت حركاته أشبه بعفريت من عفاريت مملكة الجان. أخذ بسرعة في تقليب السيارة وفتح كل أجزائها واضعا ضوءا في كل من السيارتين، بخفة تشبه خفة الفهد وبصيرة النسر وبحركة مذهلة تفوق خفة عازف على آلة البيانو. أكمل عمله وهو يردد بالاسبانية: أميكوس أميكوس تارباخوا بارا تودوس، لاندروفير برا مي، مي تارباخوا. ثم أغلق مقدمة سيارة لاندروفير فقال للشيخ: هل وجد الكأس الثاني؟ فقال له موجود يا تيتاي هنا غير تيتاي اللهجة إلى الحسانية قائلا:أعطيني كويس مازينك.

ابتسم الشيخ وقال: الراجل مشعور، واللي شعروا اللهجة، نظرت إلى القنصل الذي ضحك ملء فمه، ورأيت بمبما وقد ضحك هو الآخر ملء فمه وضرب بيديه باب الورشة: قائلا تيتاي هذا رجل بدون شك عفريت يعمل كل شيء: فهو ميكانيكي وكهربائي وكل شيء فيه جميل.

 

أكمل تيتاي كأسه، فانتقل إلى السيارة الأخرى، فقال القنصل: العفريت بدأ
– ليقول تيتاي: بسم الله الرحمن الرحيم، الله يحفظنا من عين الحاسدين وشرهم.
– فقال له القنصل: مبتسما: العين لا تؤثر فيك يا تيتاي؟
– فقال له: لماذا؟
– فرد علي القنصل: دمك حلو.
– ضحك تيتاي، فأكمل السيارة الثانية مع الكأس الثالثة والأخيرة، أكملها وشرب الكأس الاخيرة. ثم قال لنا جميعا: انتظروني هنا سأذهب إلى المنزل لأجلب لكم حليب الماعز، فالمجلس لا يكتمل إلا بشرب حليب الماعز، فالعزة جارتنا أهدتني اليوم خمس لترات من حليب الماعز. كل الحاضرين قالوا: اجلب لنا يا تيتاي حليب الماعز، والزبدة والخبز. فأشار تيتاي مطرقا برأسه. بحركة سريعة، ركض تيتاي إلى الزقاق الأسفل مسرعا بخفة غزال، ليجلب لنا ما طلبناه منه.

 

– انتظرنا لأكثر من ساعة، هم الرجلان أصحاب السيارات ليسددوا له ثمن عمله. لكنه لم يأت بعد؟ ثم هما بسؤال: هل تعرفون محل سكناه؟
الكل أجاب: لا.

 

ذهب الجميع عن محل تيتاي، فبقيت أنا وحيدا أنتظره، مرت أيام وتبعتها أسابيع وشهور وسنوات، وأنا لأزال أتردد على ورشة العم تيتاي، لسنوات أنتظره، لم يتأت تيتاي، ومات القنصل وبمبما ومحمد لمين. إلى يوم لم أنساه، وقفت أمام ورشة تيتاي أنظر إلى بابها الأزرق وأعيد رسم الأيام الجميلة التي مرت بهذا المكان، وقف أمامي شخص يحملق في وجهي ويستغرب وقوفي أمام هذا المكان الخالي من السكان، قال لي: عمن تبحث؟ -فقلت له عن تيتاي؟

 

– فقال لي: لم أسمع بهذا الاسم إطلاقا.
استغربت طريقة كلام الرجل، تيتاي كان هنا. رد علي صارخا لم يكن هنا. – بل كان هنا. لم يكن هنا. انتهى الجدال بكان ولم يكن. ولكنه كان وبقيت أنا أحكي لكم يا أعزائي حكاية من واقع الطانطان في الزمن الجميل.

كل أحداث هذه الحكاية متخيل.


شاهد أيضا
تعليقات الزوار
Loading...